بناء السلام في عقول الرجال والنساء

اليوم الدولي لمحو الأمية

رسالة المديرة العامة

"عندما يُتم المرء تعلّم القراءة، يصبح حراً إلى الأبد"، هذا ما كتبه في خضمّ القرن التاسع عشر، فريدريك دوغلاس، الرقيق الأمريكي الأسود المحرر، مناصر قضية إلغاء الرق ومؤلف كتب عدة. وهذه الدعوة إلى التحرر من خلال القراءة، وبوجه أعم من خلال امتلاك ناصية المعارف الأساسية المتمثلة في القراءة والكتابة والحساب، إنما هي دعوة ذات نطاق عالمي.

ويمثل محو الأمية الخطوة الأولى نحو الحرية والتحرر من القيود الاجتماعية والاقتصادية. وهو شرط لا بد منه لتحقيق التنمية الفردية والجماعية على حد سواء. ويتيح محو الأمية الحد من الفقر ومن أوجه انعدام المساواة، وينشئ حالة من الرخاء، ويسهم في القضاء على مشكلات التغذية والصحة العامة.

ومنذ القرن الذي عاش فيه فريدريك دوغلاس، ولا سيما في العقود القليلة الماضية، أحرز تقدم كبير في جميع مناطق العالم وانتُشل ملايين الرجال والنساء من براثن الجهل والتبعية بفضل حركة واسعة قوامها محو الأمية وتعميم الانتفاع بالتعليم. ومع ذلك، لا يزال تصور عالم يحوز فيه كل فرد المعارف الأساسية أمراً مثالياً.

ففي يومنا هذا، يوجد على الصعيد العالمي أكثر من ٢٦٠ مليون طفل ومراهق غير ملتحقين بالمدارس؛ ولا يكتسب ستة أعشار الأطفال والمراهقين، أي ما يساوي ٦١٧ مليوناً، الحد الأدنى من مهارات القراءة والحساب؛ ولا يزال هناك٧٥٠ مليوناً من الشباب والكبار غير قادرين على القراءة والكتابة، وثلثاهم من النساء. وتفضي هذه الثغرات المسببة لضعف شديد إلى استبعاد فعلي من المجتمع وإلى تعزيز دوامة التفاوت الاجتماعي وعدم المساواة بين الجنسين.

يضاف إلى ذلك في يومنا هذا تحد جديد ناجم عن تغيّر العالم على نحو متواصل وعن التسارع المطّرد في وتيرة الابتكارات التكنولوجية في العالم. ولكي يجد الفرد مكانه في المجتمع ويحصل على فرصة عمل ويواجه التحديات الاجتماعية والاقتصادية، بل البيئية أيضاً، لم تعد المهارات التقليدية - أي معرفة القراءة والكتابة والحساب - كافية، إذ أصبح من الضروري الحصول على مؤهلات جديدة، لا سيما في مجال التكنولوجيات الرقمية.

ويمثل إعداد الشباب والكبار لشغل وظائف لم تُبتكر أغلبيتها بعدُ تحدياً صعباً. ومن ثَم، تصبح القدرة على التدرّب مدى الحياة، والانتفاع بجسور تتيح العبور إلى مختلف التخصصات، والتمتع بمزيد من فرص التنقل أموراً لا غنى عنها.

وإن الموضوع الذي اختير هذا العام لليوم الدولي الجديد، وهو "محو الأمية وتنمية المهارات"، يسلط الضوء على هذا النهج التطوري في التعليم. وتشارك اليونسكو بنشاط في إعادة تعريف سياسات محو الأمية هذه وتشجع الممارسات التعليمية المبتكرة. وتدعم اليونسكو أيضاً مختلف أشكال التعاون بين القطاعين العام والخاص، لأن الإدراك الشامل لقضية التعليم قد يتيح تقديم استجابة ملائمة لاحتياجات العالم الذي يبدو أنه يعيد ابتكار نفسه كل يوم.

وإنني أدعو، في هذا اليوم الدولي، جميع الأطراف الفاعلة ضمن نطاق عالم التعليم وخارجه - لأن هذه القضية تهمنا جميعاً، إناثاً وذكوراً - إلى تعبئة الجهود لكي يصبح التطلع المثالي إلى إقامة مجتمع عالمي خال من الأمية أمراً أقرب قليلاً إلى الواقع.

 

المديرة العامة، السيدة أودري أزولاي
رسالة بمناسبة اليوم الدولي لمحو الأمية