بناء السلام في عقول الرجال والنساء

الذكاء الاصطناعي: أمثلة على المعضلات الأخلاقية

السيارة الذاتية


© Shutterstock.com/Senha

 

السيارة الذاتية القيادة هي مركبة قادرة على استشعار البيئة المحيطة بها والسير إما بتدخل بشري طفيف أو من دون سائق. وتحتاج هذه المركبات، كي يتسنى لها السير بأمان وفهم محيط القيادة الخاص بها، التقاط كمية هائلة من البيانات بواسطة أجهزة استشعار مختلفة لا تعد ولا تحصى داخلها في جميع الأوقات. وتقوم المركبة بعد ذلك بمعالجة هذه البيانات بواسطة نظام حاسوب القيادة المستقل داخلها.

وعلاوة على ذلك، يجب أن تخضع السيارة الذاتية القيادة لقدر كبير من التدريب لفهم البيانات التي تجمعها ولتكون قادرة على اتخاذ القرار الصحيح في أي حالة مرورية يمكن تخيّلها.

ويتخذ الجميع قرارات أخلاقية كل يوم. فعلى سبيل المثال، يتخذ سائق ما قراراً أخلاقياً بالضغط على المكابح لتجنب الاصطدام بالمشاة، فإنّه وإذ يقوم بذلك يُحوّل الخطر من المشاة إلى الأشخاص المتواجدين داخل السيارة.

ولكن ماذا لو تعرضت سيارة ذاتية القيادة لمثل هذا الموقف وكانت المكابح معطلة فيها وهي تسير بأقصى سرعة باتّجاه جدّة وطفل صغير؟ لو انحرفت قليلاً عن مسارها، يمكن إنقاذ أحد هؤلاء الشخصين.

إلا أنّ القرار في مثل هذه الحالات لا يصدر عن عنصر بشريّ، فإنّ خوارزمية السيارة الذاتية القيادة ستكون وحدها في موضع اتخاذ القرار.

فلو كنت في مثل هذا الموقف؟ من كنت ستختار؟ الجدة أم الطفل؟ هل تعتقد أن هناك إجابة واحدة صحيحة؟

يقدم لنا هذا الموقف مثالاً واقعياً على المعضلات الأخلاقية التي تُظهر أهمية مراعاة الأخلاقيات في إعداد وتطوير التكنولوجيات.

وهذا هو السبب الذي دفع باليونسكو إلى المبادرة في صياغة أول وثيقة قانونية وعالمية بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي.

ويجب على كل فرد منا في كل مكان في العالم خوض هذا النقاش، فإنّ الذكاء الاصطناعي مسألة تهم الجميع.

 الذكاء الاصطناعي يولّد الفنون


© Shutterstock.com/agsandrew

 

يثير استخدام الذكاء الاصطناعي في الثقافة تأملات أخلاقية مثيرة للاهتمام.

شهد عام 2016 تصميم إحدى لوحات الفنان رامبرانت المعروفة باسم "رامبرانت القادم" بواسطة جهاز حاسوب وطُبعت بواسطة طابعة ثلاثية الأبعاد بعد مرور أكثر من 351 عاماً على وفاة الرسام.

ولقد تطلب إنتاج هذه اللوحة بهذا القدر من البراعة التكنولوجية والفنية تحليل 346 لوحة من لوحات الرسام رامبرانت بيكسل بجانب بيكسل وتحسينها بواسطة خوارزميات التعلم المتعمّق لإنشاء قاعدة بيانات فريدة، كي يتسنى بعد ذلك التقاط كل تفاصيل الهوية الفنية لرامبرانت والتعرف عليها ووضع الأساس لخوارزمية قادرة على إنتاج تحفة فنية غير مسبوقة. واستُخدمت طابعة ثلاثية الأبعاد لإنتاج هذه اللوحة الفنية من خلال إعادة إنتاج نسيج ضربات الفرشاة وطبقات الألوان على القماش للحصول على نتيجة مذهلة يمكن أن تخدع أي خبير فني.

ولكن لمن تُنسب هذه اللوحة؟ وهل ستحمل اسم الشركة التي نسّقت المشروع، ووظّفت المهندسين، وأعدّت الخوارزمية اللازمة لإنتاجها، أو اسم رامبرانت نفسه؟

وفي سياق آخر، أعلنت شركة التكنولوجيا الصينية "هواوي" في عام 2019 أن خوارزمية الذكاء الاصطناعي تمكنت من إكمال النغمتين الأخيرتين من السيمفونية رقم 8، وهي المقطوعة الموسيقية غير المكتملة التي بدأها فرانز شوبرت في عام 1822، أي قبل 197 عاماً. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، ما الذي يحدث عندما تتمكن تقنيات الذكاء الاصطناعي من إنتاج الأعمال الفنية بنفسها؟ وإذا استبدلنا مؤلفاً بشرياً بالآلات والخوارزميات، فهل سيكون هناك أي حقوق مؤلف؟ وهل يمكن، بل هل ينبغي، الاعتراف بالخوارزمية كمؤلف، وبالتالي منحها نفس الحقوق التي يتمتع بها الفنان؟

ومن هنا، يتطلب أي عمل فني تنتجه آليات الذكاء الاصطناعي وضع تعريف جديد لمفهوم "المؤلف" من أجل إنصاف العمل الإبداعي لكل من المؤلف "الأصلي" والخوارزميات والتقنيات التي تعيد إنتاج العمل الفني نفسه.

ويؤدي الإبداع، وهو القدرة على إنتاج محتوى جديد وأصيل من خلال الخيال أو الاختراع، دوراً مركزياً في المجتمعات المفتوحة والشاملة والتعددية. ولهذا السبب، ثمة حاجة لإيلاء اهتمام كبير لتأثير الذكاء الاصطناعي في الإبداع البشري. ولا شك في أن الذكاء الاصطناعي أداة قوية للإبداع، إلا أنّه يثير أسئلة هامة بشأن مستقبل الفن، وحقوق الفنانين، وأجورهم، وسلامة سلسلة القيمة الإبداعية.

ونحن بحاجة إلى إعداد أطر عمل جديدة للتمييز بين ممارسات القرصنة والانتحال، من جهة، والأعمال الأصيلة والإبداعية من جهة أخرى، وكذلك إدراك قيمة العمل الإبداعي البشري في تفاعلاتنا مع الذكاء الاصطناعي. وتعد هذه الأطر ضرورية لتجنب الاستغلال المتعمد لعمل البشر وإبداعهم، ولضمان تلقي الفنانين أجوراً كافية والاعتراف بأعمالهم على النحو الواجب، وكذلك سلامة سلسلة القيمة الثقافية، وقدرة القطاع الثقافي على توفير وظائف لائقة.

وهذا هو السبب الذي دفع باليونسكو إلى المبادرة في صياغة أول وثيقة قانونية وعالمية بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي

ويجب على كل فرد منا في كل مكان في العالم خوض هذا النقاش، فإنّ الذكاء الاصطناعي مسألة تهم الجميع.

الذكاء الاصطناعي في أروقة المحاكم


© Shutterstock.com/icedmocha

 

تشهد النظم القضائية في العالم زيادة في توظيف الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي يثير المزيد من التساؤلات الأخلاقية التي تحتاج إلى الاستكشاف. وقد يضطلع الذكاء الاصطناعي بتقييم القضايا وتطبيق العدالة على نحو أفضل وأسرع وأكثر كفاءة من القاضي.

ومن المحتمل أن تؤثر أساليب الذكاء الاصطناعي تأثيراً كبيراً في مجموعة واسعة من المجالات، بدءاً من المهن القانونية والجهاز القضائي وامتداداً إلى المساعدة في صنع القرار لدى الهيئات التشريعية والإدارية العامة. وعلى سبيل المثال، يمكن للذكاء الاصطناعي تعزيز كفاءة المحامين ودقة أدائهم في عمليتي إسداء المشورة القانونية والتقاضي، وهو ما يعود بالفائدة على المحامين أنفسهم فضلاً عن عملائهم والمجتمع ككل. ويمكن استكمال وتعزيز نظم البرمجيات التي يوظفها القضاة حالياً باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لدعمهم في صياغة قرارات جديدة. ويُنظر إلى هذا التوجه نحو الاستخدام الدائم التزايد للنظم المستقلة على أنه محاولة لأتمتة العدالة.

وتجادل بعض الأطراف بأنه يمكن للذكاء الاصطناعي المساعدة في إنشاء نظام قضائي جنائي يتسم بقدر أكبر من الإنصاف، يمكن فيه للآلات تقييم العوامل ذات الصلة والمفاضلة فيما بينها بطريقة أفضل من الإنسان، فضلاً عن الاستفادة من سرعتها وقدرتها على استيعاب كميات كبيرة من البيانات. ومن هذا المنطلق، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يبت في القضايا استناداً إلى قرارات مستنيرة خالية من أي تحيز وبكل موضوعية.

ولكن هناك العديد من التحديات الأخلاقية:

الافتقار إلى الشفافية في أدوات الذكاء الاصطناعي: إذ لا يستطيع البشر دائماً فهم القرارات التي تتخذها آليات الذكاء الاصطناعي.

الذكاء الاصطناعي ليس محايداً: القرارات المستندة إلى الذكاء الاصطناعي ليست بمنأى عن عدم الدقة والنتائج التمييزية التي تنطوي على التحيّز.

ممارسات المراقبة لجمع البيانات وخصوصية روّاد المحاكم.

مخاوف جديدة بشأن العدالة والمخاطرة بحقوق الإنسان وغيرها من القيم الأساسية.

السؤال الذي يطرح نفسه، هل تريد أن يحكم عليك إنسان آلي في محكمة قانونية؟ وهل تريد ذلك حتى لو لم نكن متأكدين من آلية الوصل لاستنتاجاته؟

وهذا هو السبب الذي دفع باليونسكو إلى المبادرة في صياغة أول وثيقة قانونية وعالمية بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي.

ويجب على كل فرد منا في كل مكان في العالم خوض هذا النقاش، فإنّ الذكاء الاصطناعي مسألة تهم الجميع.