بناء السلام في عقول الرجال والنساء

وضع الثقافة والإبداع في صميم التجديد الحضري

04 كانون الثاني (يناير) 2017

إن الثقافة قادرة على جعل المدن أكثر ازدهاراً، وأكثر أمناً، وأكثر استدامةً. ويجب أن يستخدم دور الثقافة كمصدر مستدام لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية داخل المدن. هذا ما يستنتج من التقرير العالمي لليونسكو الذي يتناول الثقافة من أجل التنمية الحضرية المستدامة والمعنون بـ"الثقافة: المستقبل الحضري"، والذي صدر العام الماضي، بالإنجليزية، في كيوتو، الإكوادور، بمناسبة مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالإسكان والتنمية الحضرية المستدامة (الموئل 3).

ينتشر العمران بوتيرة سريعة في شتى أنحاء العالم والمتوقع، مع حلول عام 2030، وجود العديد من المدن الكبرى التي قد يبلغ عددها الواحد وأربعين مدينة، بحيث يضم كل منها أكثر من عشرة ملايين نسمة. فالمدن الكبرى مثلها مثل المدن الصغيرة، تشهد زيادة في عدد المهاجرين، وهذا يعكس زيادة التنوع الثقافي، الذي ينبغي استغلاله كمصدر من المصادر المستدامة التي تحث على الإبداع والتجديد والتنمية الشاملة للجميع. فالمدن، باعتبارها مراكز للتبادل الثقافي وللتراث، تحث على استغلال المساحات العامة واستخدامها كوسيلة لتعزيز النقاش والتعبير الابداعي والتفاعل الاجتماعي. وفي هذا الصدد صرح المدير العام المساعد لليونسكو للثقافة، فرانشيسكو بندارين، قائلاَ: "يجب أن ينصب تركيز المدن المستقبلية على الأفراد، وعلى هذه المدن أن تصمد أمام العلاقات الموجودة بين المناطق الحضرية والريفية والمساحات العامة ذات الجودة، وذلك عن طريق توفير مبان وبيئة طبيعية صالحة للعيش. وهذا يتطلب اتخاذ قرارات مبتكرة ومتكاملة تضع الثقافة في صميم التخطيط والإنعاش للمدينة بهدف تحسين الاستدامة ومستوى عيش الناس".

ولمتابعة الموئل الثالث واصدار تقرير "الثقافة: المستقبل الحضري"، ستنظم اليونسكو، يومي 12 و13 يناير/ كانون الثاني 2017، اجتماعاً يضم خبراء وممثلي المنظمات الدولية والجامعات في كافة أنحاء العالم لوضع خارطة طريق معنية بالتنفيذ الفعال لجدول أعمال 2030 للتنمية المستدامة من خلال وضع الثقافة في سياق حضري. وركز التقرير على الهدف رقم 11 من أهداف التنمية المستدامة، الذي يحث على جعل المدن والمستوطنات البشرية شاملة للجميع وآمنة وقادرة على الصمود ومستدامة. وكانت التوصيات الرئيسية لهذا التقرير تشمل الإجراءات التي تهدف إلى تقدير التنوع الثقافي في المدن وتعزيزه، وتوظيف الثقافة في التصدي للعنف الحضري، وتوفير الاستثمارات اللازمة لتعزيز الثقافة في التخطيط الحضري فضلاً عن تعزيز التراث الثقافي والإبداع في التخطيط الحضري. وسوف تساهم شبكة اليونسكو الحضارية الخاصة بالثقافة في تطبيق هذه التوصيات وكذلك في تعزيز حماية التراث وإدارته والمحافظة عليه بالإضافة إلى الصناعات الابداعية والثقافية في الوسط الحضري.

ويستخدم التقرير كنقطة مرجعية، بتقديمه 100 دراسة ميدانية، وأكثر، تشرح بالتفصيل كيفية الاستفادة من سياسات التنمية التي تتماشى واتفاقيات اليونسكو بشأن حماية التراث الثقافي المادي وغير المادي وتعزيزه وتنوع التعبير الثقافي والصناعات الثقافية واستخدام هذه السياسات لصالح المدن عن طريق محاربة البطالة والفوارق الاجتماعية والتمييز والعنف. فالمدن التي تمر بفترات نزاع أو ما بعد النزاع يمكنها استخدام نماذج كنموذجي مدينة سامراء في العراق أو مدينة تمبكتو في مالي التي، ظهر من خلالهما، وعن طريق الجهود الرامية إلى إعادة البناء والتأهيل، قدرة الثقافة على استعادة التماسك الاجتماعي بين المجتمعات وتحسين الظروف المعيشيّة. وبالإضافة إلى ذلك، يذكر التقرير دور الصناعات الابداعية في تعزيز النمو الاقتصادي طويل المدى ويستشهد بمدينة شانغهاي في الصين، المدرجة في شبكة اليونسكو للمدن المبدعة في مجال التصميم منذ عام 2010.

وتناول التقرير أيضاً التحديات التي تواجه إدارة السياحة في المناطق الحضرية المدرجة في قائمة اليونسكو للتراث العالمي كما هو الحال في مدينة ريو دي جانيرو، وتوظيف المناظر الحضرية التاريخية في التخطيط الحضري واحياؤها كما هو الحال في مدينة راولبندي في باكستان.

وبذلك قدم التقرير نماذج حقيقية لرؤساء البلديات وواضعي السياسات ومخططي المدن.