بناء السلام في عقول الرجال والنساء

تهدف خطة اليونسكو الدولية لتنمية الثقافة العربية (أرابيا) إلى تعزيز المعرفة بشأن الثقافة العربية في العالم وإلى تشجيع فهم متبادل أكبر بين الثقافة العربية والثقافات الأخرى

24 أيلول (سبتمبر) 2015

مقابلة مع الدكتور زياد الدريس رئيس اللجنة الاستشارية الدولية لخطة الثقافة العربية (أرابيا)

-        بماذا تتفرد الثقافة العربية بين غيرها من الثقافات في العالم؟

·       من الصعب الجواب على هذا السؤال بسبب بعده الشمولي، وكأنني مطالب بأن أقدم صورة بانورامية عن مختلف جوانب الثقافية العربية. بطبيعة الحال لكل ثقافة فرادتها وتميزها بل لكل منها أشياء كثيرة تتميز بها وتتفرد وهذا ما يجعل الثقافة نبعا للتنوع ومصبا له في آن. والثقافة العربية على مدى العصور كانت مثل المحيط تأخذ من مختلف الضفاف وتعطيها. لقد تميزت الثقافة العربية منذ القدم بمختلف الانواع الأدبية، وفي طليعتها الشعر، لذلك كان القدماء يقولون "الشعر ديوان العرب". ولكننا لا يمكننا أن نختصر الأدب العربي تاريخيا بالشعر وحده على الرغم من أهميته، فقد كانت الأنواع الأدبية كثيرة من فن السرد والحكاية إلى فن الخطابة والمراسلات وغيرها حتى تاريخنا المعاصر حيث أن أنواع الرواية والمسرح والنقد لها مستواها العالي على المستوى العربي والعالمي.

إننا نعي تماما أن لدينا تراثا فكريا وثقافيا نعتز به كان له دور في الحفاظ على سلسلة الحضارة الإنسانية. فقد نقل العرب العلوم والفلسفة عن اليونان وغيرها من حضارات قديمة من هندية وفارسية، وأضافوا إليها وأثروها، وكانوا جسرا لوصول هذه الثقافات إلى أوروبا والعالم بعد ذلك. وما كانوا قادرين على القيام بهذا الدور الكبير إلا بفضل ثقتهم بأنفسهم وإقبالهم على العلم بعقل منفتح وضمير إنساني متألق. وهم اليوم مطالبون بأن يعيدوا الكرة بالانفتاح على تجارب العالم الناجحة لتلقيح ثقافتهم وجعلها أكثر إبداعا من أي وقت. إن سر الحياة هو الأخذ والعطاء والشجرة التي لا يحمل إليها العصفور برعم الحياة من شجرة أخرى تذبل وتموت. والعقل ليس متحفا تتحنط فيه الأفكار إنما هو مختبر لها، تحيا وتنمو وتنتعش بنار تجاربها.

-        ما الذي قامت به خطة الثقافة العربية حتى اليوم، وما هي القضايا التي يمكن أن تعمل من أجلها؟

·       إن خطة تنمية الثقافة العربية طموحة جدا لا يمكن اختصارها بنشاط واحد أو عدد من الأنشطة لأنها كانت ولا تزال تريد أن تبعث آلية للإبداع والتجديد في عالمنا العربي، في الوقت الذي تنفتح فيه على التجارب في مختلف ثقافات العالم. ولقد نجحت هذه الخطة أول ذي بدء بأنها لاقت إجماعا عربيا وعالميا حولها إيمانا في الطاقة التي تحملها وهي أن تكون محركا في تنشيط الإبداع العربي. ومن المشاريع التي نجحت فيها وهي كثيرة مشروع دراسة العلاقة بين الثقافة العربية وثقافات أميركا اللاتينية عبر شبه الجزيرة الإيبيرية، أي إسبانيا والبرتغال. وشارك في هذه الدراسة خبراء ومسؤولون من جميع الدول العربية والأميركية اللاتينية مع إسبانيا والبرتغال.

كما أذكر الأبحاث التي خصصت لدراسة بيت الحكمة كأول معهد علمي وثقافي في التاريخ الجلي.

وكانت المساهمة الأخيرة لخطة الثقافة العربية العمل على اعتماد اليوم العالمي للغة العربية من قبل المجلس التنفيذي لليونسكو، الذي يحتفل به سنويا في الثامن عشر من كانون الأول/ديسمبر، عبر مجموعة من الأنشطة المرموقة المعتمدة على مواضيع تختلف سنة عن اخرى.

-        ما هي أهم التحديات التي تواجه خطة الثقافة العربية اليوم وفي المستقبل المنظور؟

·       نقاط وجيزة يمكن ان تكون محاور التحديات لعمل خطة أرابيا في المستقبل:

أولا، حقوق المؤلف العربي والقيمة الفعلية للملكية الفكرية والفنية في بلداننا. وربما إننا مدعوون من ضمن خطتنا أن نتوقف عند المشاكل التي تحول دون قدرة المؤلف في البلدان العربية أن يعيش من عمله الإبداعي والفكري، اللهم إلا في بعض الحالات النادرة. وبالتالي فإن الكاتب والمفكر يضطر للجوء إلى حرفة أخرى وإلى لغة أخرى حتى يتمكن من العيش الكريم. هناك قول للكاتب والمفكر العربي الكبير، أمين الريحاني حينما سئل لماذا يكتب بالإنجليزية فأجاب : "أكتب بالإنجليزية لأطعم قلمي العربي". ويمكن للخطة أن تقوم بإعداد دراسة ميدانية في هذا المجال تقدم على أثرها بعض الاقتراحات في شأن تصور الحلول الممكنة لمسألة حقوق المؤلف وقدرة المبدع العربي على أن يعيش من إبداعه...

ثانيا، الحضور العربي على شبكة الإنترنت. كيف يمكن لهذا الحضور أن يكون مبدعا ومنتجا على هذه الشبكة التي باتت أروع وسيلة للاتصال في العالم على الإطلاق. وكيف يمكن إدخال اللغة العربية بشكل حي ونشط بحيث تكون لغة من لغات الإنتاج على هذه الشبكة وليس فقط لغة تجميلية لرفع العتب في مجال التنوع اللغوي؟ وهذا يزداد إلحاحا مع انتشار أدوات التواصل الاجتماعي هذا الانتشار الواسع ولاسيما لدى الشبيبة.

ثالثا، السياحة الثقافية، وهذا ميدان من أنشط ميادين السياحة في العالم اليوم. كيف يمكننا أن ننشطه في منطقتنا العربية؟ وما العوائق التي تحول دونه؟ وما المطلوب حتى تكون هذا السياحة الثقافية إحدى الروافد الأساسية لحياتنا الاقتصادية؟

رابعا، الجاليات العربية في الخارج. ما هي أوضاعها الفكرية والثقافية وما درجة تعليم اللغة العربية لبناتها وأبنائها؟ وماذا يمكن للأوطان الأم أن تقدم لهذه الجاليات؟ وماذا يمكن أن نعمل لإفادة من هذه الطاقات، سواء في المجالات العلمية والفكرية، بما اكتسبت من خبرات ومعارف حديثة يمكن أن تفيد بها أوطانها ولو إفادة جزئية. ولكن هذا الأمر يحتاج في الدرجة الأولى إلى البنى الأساسية في بلداننا المختلفة. فهل هذه البنى موجودة؟ وما الذي يحول دون وجودها؟ وكيف يمكن الاعتماد على هذه الجاليات للشروع في الحوار الحضاري الحي والميداني بين الثقافات في أوطانها الجديدة وأوطانها الأم؟

خامسا، الإفادة من مختلف أنشطة اليونسكو والمنظمات المشابهة لتعزيز الثقافة العربية والحوار بين الثقافات لإيجاد آليات عمل متنوعة. قد نكون مطالبين هنا للتفكير في دور خطة الثقافة العربية في الاحتفال بعدد من الأيام الدولية والعالمية، التي تحتفي بها الأسرة الدولية لا من اجل الاحتفال فقط بل لتسليط الأضواء على المشاكل والظروف التي يعيشها هذا القطاع أو ذاك من حياتنا. وأذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: اليوم العالمي للمعلم، اليوم العالمي للعلوم، يوم الفلسفة، اليوم العالمي للشعر ناهيك عن اليوم العالمي للغة العربية...