بناء السلام في عقول الرجال والنساء

التنمية المستدامة في قلب منتدى رؤساء البلديّات لشبكة اليونسكو للمدن المبدعة

elb.jpg

© Nicolas Laverroux
02 تموز (يوليو) 2017

يسكن أكثر من نصف سكان العالم اليوم في المدن التي تعدّ المحرّك الأساسي للنشاط الاتقصادي. ومن المتوقّع أن تستمرّ الأمور على هذا النحو حيث تشير التقديرات إلى أنّ عدد سكان المدن سيشكّل، بحلول عام 2030، 70% من سكان العالم البالغ عددهم 9،5 مليار نسمة. وتعتمد المدن في سعيها لتحقيق الشموليّة والنجاح والاستدامة، على الإبداع والابتكار وتساند كل منها الأخرى لبلوغ الهدف. 

وقد اجتمع عدد من رؤساء بلديّات وممثّلي 116 مدينة مدرجة في شبكة اليونسكو للمدن المبدعة ومنها مدينة زحلة اللبنانيّة، تحت شعار "الإبداع طريقنا لمدن مستدامة: تصميم مساحات عامة وشاملة في ظل العصر الرقميّ" وذلك في إطار الاجتماع السنوي لشبكة اليونسكو للمدن المبدعة الذي استضافته مدينة إينغيان-لي-بان الفرنسيّة في الفترة بين 30 حزيران/ يونيو و2 تموز/ يوليو 2017. وفي هذا السياق، شدد مساعد المديرة العامة لقطاع الثقافة، السيد فرانشيسكو بندرين، على أن "شبكة اليونسكو للمدن المبدعة تتصدّى للتحديات التي تواجهها مجتمعاتنا وتسعى لبناء مدن أكثر محورها الإنسان". وأضاف قائلاً: "أن توصف مدينة ما بالمبدعة، فهذا لا يعكس اتجاهاً معيّناً، بل هو واقع وطريقة لتعزيز التنمية المستدامةـ وتتمثّل أولى الخطوات لتحقيق هذه الغاية بالإدماج المجتمعي. ومن أجل بلوغ أهداف التنمية المستدامة، فنحن بحاجة للثقافة والإبداع." 

هذا واعتمد رؤساء بلديّات المدن المبدعة إعلاناً يدعون فيه المدن المبدعة إلى تسخير الثقافة على نحو أكبر في مجمل برنامجها السياسي، وتسهيل مشاركة التجارب والخبرات والإبتكارات في ما بينها، وذلك تماشياً مع اعتماد إطار استراتيجي للشبكة، والذي يرسي بدوره الأسس لرؤية مستقبليّة من أجل تعزيز ما تقوم به اليونسكو في سبيل بلوغ مدن مستدامة.  


© Enghien-les-Bains, UNESCO Creative City of Media Arts

وفي هذا السياق، قال أسعد رغيب، رئيس بلديّة زحلة، أحد المدن المبدعة في مجال فن الطهي منذ عام 2013: "فعندما نتحدّث عن الثقافة في بلد كبلدنا، فإنّ الحاجة الكبرى تتمثّل في وعي الناس الثقافيّ. حيث أنّ الثقافة والوعي يتمثّلان بإدراك الناس لحقوقهم وواجباتهم نحو الآخرين على نحو صحيح. وهذا هو الهدف الذي تعمل مدينتنا على بلوغه، أي الوعي العام والشفافيّة والمساءلة". وقد أطلق على مدينة زحلة ألقاب عدّة منها "عروس البقاع" و"جارة الوادي" نظراً لموقعها الجغرافي وجمال الطبيعة فيها، كما سميت كذلك "بمدينة الشعر والخمر"، حيث لطالما تمحورت ثقافة المدينة حول كروم العنب والخمر والعرق، وهو مشروب بنكهة اليانسون وكان يقدّم في المقاهي في أي وقت من النهار. 

وتشمل شبكة المدن المبدعة لليونسكو سبعة مجالات إبداعيّة هي الصناعات الحرفية والفنون التقليدية والفنون الإعلاميّة والأفلام والتصميم وفنون الطهي والأدب والموسيقى، وتسخّر طريقة التعلّم من الأقران لتبادل الأفكار والخبرات من أجل تحفيز وتعزيز التعاون وتبادل الممارسات الجيّدة بين المدن التي تدرك كون الثقافة والصناعات المبدعة محركات للتنمية. وفي هذا السياق، قال رئيس بلديّة إينغيان-لي-بان، أحد المدن المبدعة في مجال الفنون الإعلاميّة منذ عام 2013، فيليب سور: "يجب علينا تسخير المزيد من إمكانيّاتن الإبداعيّة من أجل بناء مدننا المستقبليّة. كما يجب علينا أن نتطلّع لبلوغ الحداثة". كما شدّد على نحو خاص على تأثير التكنولوجيّات الرقميّة على التنمية المستدامة وشرح كيف يمكن لمثل هذه التقنيات أن تؤثر إيجاباً على النظم الإيكولوجيّة في المدن، لا سيما على المساحات العامة. 

هذا وشارك رؤساء بلديّات المدن المبدعة نماذجهم الناجحة والتحديات التي يواجهونها ووحّدوا جهودهم في سبيل بلوغ أهداف التنمية الحضرية المستدامة لا سيما في إطار الخطة الدولية للتنمية. فمن جانبه، ناقش ممثّل مدينة باندونغ الأندونيسيّة المبدعة في مجال التصميم، كيف ساهم الإشراك والتصميم المدنيّين في تطوير المساحات العامة بطرق أكثر شموليّة مستهدفين الهدف التنموي الحادي عشر من خلال إتاحة وصول الجميع للمساحات العامة الآمنة والشاملة والمتاحة والخضراء، ولا سيما النساء والأطفال والكبار في السن وذوي الاجتياجات الخاصة." أما ممثّل المدينة المبدعة في مجال الأدب، مدينة ريكيافيك في أيسلندا، فقد عرض ورشات عمل متعدّدة اللغات في مجال الكتابة وتهدف إلى تمكين النساء اللاجئات بكونها منصّة انطلاق في المجال المهني. حيث نشرت أعمال المؤلفين لاحقاً بأشكال مختلفة ونشرت خلال الفعاليّات الأدبيّة. ومن شأن ذلك أن يعزّز الحوار بين الثقافات والهدف التنموي الخامس المعني بإنهاء جميع أشكال التمييز ضد النساء والفتيات. 

وقالت رئيسة قسم الإبداع في اليونسكو، جيوتي هوساغراهار: "تقدّم شبكة اليونسكو للمدن المبدعة أمثلة ملموسة قائمة على الأدلّة تصف كيف تقود المدن التغيير الدولي من خلال نهوج العمل من القاعدة إلى القمة، ما يرسّخ خطة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة حتى عام 2030. كما لا يجب اعتبار الأطراف المعنيّة على الصعيدين المحلي ودون الوطني مجرّد منفذين لهذه الخطة العالميّة بل إنّهم يضطلعون بدور أساسي في هذا المسعى طويل الأجل."

هكذا اختتم الاجتماع الحادي عشر لشبكة اليونسكو للمدن المبدعة والتي تعدّ شريكاً مميّزاً لليونسكو حيث تشكّل مدنها منبراً للتأمل بدور الثقافة والإبداع بوصفهما محرّكاً للتنمية المستدامة، وأرضاً خصبة للعمل والابتكار. 

وتجدر الإشارة إلى أنّ شبكة المدن المبدعة لليونسكو تضم أربعة مدن عربيّة، أدرجت اثنتين منها في مجال الصناعات الحرفية والفنون التقليدية وهي مدينة أسوان المصريّة التي أدرجت عام 2005 ومدينة الأحساء السعوديّة التي أدرجت عام 2015، بالإضافة إلى مدينة بغداد العراقيّة والتي أدرجت عن فئة الأدب عام 2015 ومدينة زحلة اللبنانيّة والتي أدرجت عام 2013 عن فئة فنون الطهي.