بناء السلام في عقول الرجال والنساء

"الثقافة على الخط الأمامي في النزاعات ـ ينبغي أن تكون الثقافة على الخط الأمامي لاستراتيجية السلام"، صرحت المديرة العامة لليونسكو أمام المجلس الأمن للأمم المتحدة

وجّه كل من المديرة العامة لليونسكو، إيرينا بوكوفا، والأمين العام للمنظمة الدولية للشرطة الجنائية، جورغين ستوك، كلمة أمام أعضاء المجلس الأمن للأمم المتحدة حول "مكافحة تدمير وتهريب وسرقة التراث الثقافي" في بلدان يُستخدم فيها تدمير التراث ونهبه والاتجار غير المشروع به كوسائل لتأجيج الكره وتمويل الإرهاب.

يأتي اجتماع مجلس الأمن، الذي دعا إلى عقده الوفدان الدائمان لكل من الأردن وفرنسا لدى الأمم المتحدة، وهما الدولتان المشاركتان في رئاسة مجلس الأمن، كمتابعةٍ لقرار مجلس الأمن رقم 2199 الخاص بتمويل الإرهاب، والذي اُعتمد في 12 شباط/ فبراير الماضي، ويقضي بتكليف اليونسكو والمنظمة الدولية للشرطة الجنائية بمسؤولية منع الاتجار غير المشروع بالقطع الثقافية.

قالت سعادة السيدة دينا قعوار، الرئيسة المشاركة لمجلس الأمن، في كلمتها الافتتاحية: "إننا نشاهد محاولات مشينة ترمي إلى محو تراث الشرق الأوسط".

ومن جانبه، أكّد سعادة السيد فرانسوا ديلاتر، الرئيس المشارك لمجلس الأمن، بأن "الكفاح الذي يجمع فيما بيننا اليوم إنما يمثل كفاحاً وجودياً"، مشيراً إلى أنه وفقاً لمصادر عديدة فإن الاتجار بالتحف الأثرية يمثل ثاني أهم مصدر لتمويل الإرهاب.

أما المديرة العامة لليونسكو فقد أبرزت مدى المأساة الجارية، ولاسيما القضاء على تاريخ الإنسانية المتجذر منذ آلاف السنين، وشددت على حرص اليونسكو على مكافحة تدمير وتهريب وسرقة التراث الثقافي.

وقالت المديرة العامة "إن هذه الاعتداءات وممارسات الاضطهاد والتدمير إنما تمثل جانباً من الاستراتيجية التي أسميها "التطهير الثقافي"، وهو ما يرمي إلى تدمير الهويات وتمزيق النسيج الاجتماعي، فضلاً عن فرض الاستبداد".

وأضافت المديرة العامة قائلة "هذا هو تكتيك حربي يشكل حرباً شاملة على العقول"، مشيرةً إلى أن المتطرفين المتشددين إنما يمارسون استراتيجية فعالة وشاملة للاتصالات ترمي إلى بلوغ أهداف واضحة المعالم تتمثل في بث الفُرقة بين السكان، وتجنيد محاربين أجانب، فضلاً عن تعميق مشاعر الكره. ومن ثم "فعلينا التصدي لمثل هذه الممارسات، وتغيير العقول والمواقف، وألا ندع التطرف يسطو على الثقافات والأديان. فنحن نحتاج إلى تبني استراتيجيات فعالة للاتصالات لمكافحة التطرف"، مشيرةً إلى الحملة العالمية التي أطلقتها اليونسكو تحت عنوان #متحدون_مع_التراث.

ومن جانبه، ذكّر الأمين العام للمنظمة الدولية للشرطة الجنائية، جورغين ستوك، بأن "مفتاح العمل الفعال في مجال السياسات إنما يتمثل في توافر المعلومات وفي الحصول على المعلومات في الوقت المناسب والمكان المناسب للمسؤول المناسب". وأضاف قائلاً "إن الوضع الراهن في سوريا والعراق إنما يمثل تحديات كبيرة، وذلك لأن المواقع المعرضة للتدمير غالباً ما تفتقر إلى رقابة حكومة فعالة". ثم تناول الدروس المستفادة من حرب الخليج الأولى والتحسينات اللاحقة على قاعدة البيانات التي تخص "الأعمال الفنية المسروقة"، واقتران ذلك بمعلومات تتعلق بما يربو على 1300 قطعة أثرية نُقلت من المتاحف والمواقع في سوريا وأضيفت بالفعل إلى قاعدة البيانات.

وجدير بالذكر أن الدول الأعضاء طلبت من اليونسكو أن تقوم بتكثيف الجهود وتعزيز التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، وذلك من أجل توثيق ممارسات التدمير وجرائم الحرب حتى يمكن تقديم من ارتكبوها إلى العدالة.

ثم إن المديرة العامة لليونسكو شددت على الحاجة إلى إدراج حماية التراث في مهمة قوات حفظ السلام، استناداً إلى الخبرات المستفادة مؤخراً في مالي، حيث تقوم اليونسكو بإعادة بناء الأضرحة التي دمّرها المتطرفون، وذلك بتعاون وثيق مع قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.

واختتمت المديرة العامة لليونسكو كلمتها قائلة:"إن التراث يجب أن يكون على خط الأمامي في إرساء السلام، وأن يشكل الوسيلة الكفيلة باستعادة الكرامة والثقة. ومن الضروري بمكان العمل على منع التشدد ومواجهة الأقوال الداعية للكره وبث الفُرقة. كما يجب تعزيز وسائل مكافحة الاتجار غير المشروع بالقطع الثقافية في جميع أرجاء العالم".