بناء السلام في عقول الرجال والنساء

المديرة العامة لليونسكو تلتقي مجموعة من اللاجئين السوريّين في مدينة عينتاب التركية

توجهت المديرة العامة لليونسكو، إيرينا بوكوفا، بعد انتهاء القمة العالميّة للعمل الإنساني في اسطنبول، لزيارة المرافق التي خصّصت لاستقبال 300 ألف لاجئ سوري في مدينة عينتاب الواقعة جنوب شرق تركيا وذلك يوم 25 أيار/ مايو.

ويذكر أن هناك اتفاقية توأمة تجمع بين كل من مدينة حلب السورية ومدينة عينتاب التركيّة. ولكن سرعان ما تزعزعت هذه العلاقة بعد اندلاع الثورة السوريّة.  

فمنذ خمس سنوات فقط، كان سكان مدينة عينتاب يقطعون الحدود لقضاء عطل نهاية الأسبوع في مدينة حلب التي تبعد عنهم حوالي 100 كيلومتر فقط.

وقد ازداد عدد سكان مدينة عينتاب بنسبة 20% منذ اندلاع الحرب في سورية عام 2012 حيث وصل إلى أراضيها حوالي 300 ألف لاجئ معظمهم من الأطفال الذين لم يتجاوز عمرهم 17 عاماً ما يجعل من مدينة عينتاب أكبر تجمّع للشباب في بلد تحتضن أكبر تجمّع للاجئين في العالم حيث يصل عدد اللاجئين في تركيا إلى ثلاثة ملايين لاجئ.

وفي هذا السياق، قالت رئيسة بلدية عينتاب، فاطمة شاهين، إن المدينة تواجه تحديات مختلفة سواء في ما يتعلق بنقص المساكن وارتفاع أسعار الإيجارات ناهيك عن الجفاف وشح المياه والعبء المتزايد على كاهل كل من قطاع الرعاية الصحيّة وقطاع التعليم الذي يعاني من نقص كبير في عدد الصفوف والمعلّمين. ويذكر أن مدينة عينتاب مشهورة بتاريخها الثقافي ومطبخها التقليديّ فهي واحدة من المدن الأعضاء في شبكة اليونسكو للمدن المبدعة في مجال الطبخ. ولكن هذه المدينة عانت تراجعاً كبيراً في مردود قطاعها السياحي ما يفاقم العبء الملقى على عاتق المجتمع.

كما أثارت شاهين، وهي وزيرة شؤون الأسرة والسياسة الاجتماعية السابقة، مجموعة من المبادرات بشأن بناء مدن جديدة وتوظيف المعلمين وتوفير دروس في اللغة وتعزيز عمليّة الاندماج. وأوضحت أنّه تم توفير خطوط هاتفيّة ساخنة مخصصة لمنع العنف الأسري والحد من ظاهرة الزواج المبكر وتشجيع الفتيات على إكمال دراستهنّ.

وخلال هذه الزيارة، اطلعت المديرة العامة عن كثب على الجهود المبذولة في هذا الخصوص حيث زارت أيضاً مدينة نذب التي بنيت من الحاويات الصفيحيّة والكبائن على بعد 40 كيلومترا شرق عينتاب. وتمتد هذه المدينة على مساحة 145 ألف كيلومتر مربع من الأراضي القاحلة المحاطة بأسياج من الأسلاك الشائكة حيث يقطن حوالي 50 ألف لاجئ يسكنون في مساكن مؤلفة من حاويات يصل عددها إلى 900 حاوية تم تجهيزها لاستقبالهم. وتعتبر هذه المنطقة واحدة من مخيمات الحاويات الصفيح السبعة في تركيا ناهيك عن مخيمات الخيم التي يصل عددها إلى 19 مخيماً.

وقال مدير المخيّم: " يدار المخيّم تماماً كما أي مدينة حيث يتم توفير الخدمات المختلفة مثل التعليم والرعاية الصحية وحلقات التدريب والأنشطة الاجتماعيّة والرياضة بالإضافة إلى التأهيل النفسي والاجتماعي وتوفير الأمن في المخيّم." 

واطلعت المديرة العامة على مختبر الحاسوب والمكتبة وغرفة تعليم الخياطة وغيرها من المرافق. كما التقت بمجموعة من الأمهات والأطفال الذين يعيشون في مدينة نذب منذ سنوات. وكانت قد علّقت قائلة: "بدأت الأفكار والتوقعات باتخاذ نهج آخر. فقد كان الناس يعتقدون في البداية أنهم سيعودون إلى بلادهم. أما الآن، فها هم يظهرون استعداداً أكبر للبدء بتلقي التعليم المناسب."

ويذكر أن مخيّم نذب يوفّر دوراً للحضانة بالإضافة إلى التعليم الابتدائي والثانوي لصالح ما يزيد عن ألفي طالب يستفيدون من المناهج السورية. ويوفّر المخيّم فرص عمل لقرابة 115 معلماً منهم 98 معلماً سورياً يقدّمون دروساً في اللغة العربيّة، كما يدرّسون اللغتين التركية والانجليزية كلغات أجنبيّة. وتعمل وزارة التعليم التركية على توفير الكتب والمناهج المدرسيّة بالتعاون مع أطراف مختلفة. حيث تقدّم جامعة أنقرا دروساً في اللغة التركيّة سمحت لقرابة 40 طالباً بالالتحاق بمؤسسات التعليم العالي بعد حصولهم على منح دراسيّة.  

هذا وتخصّص مخيّمات الحاويات لاستقبال الأشخاص المستضعفين مثل النساء والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة والأمراض المزمنة، في حين يعيش غالبية اللاجئين في المجتمعات المستضيفة في عينتاب.

وقامت المديرة العامة، برفقة رئيسة البلدية، شاهين، بزيارة مركز التعليم والمعلومات السوري وهو مدرسة تديرها البلديّة وتقدّم خدماتها لصالح 1400 طالب سوري محتاج منهم 400 يتيم. ويتّبع الطلاب في هذا المركز المناهج التركيّة، ويقع مقابل مدرسة حكوميّة يلتحق بها الطلاب الأتراك والسوريون على حد سواء. وكانت السلطات قد أوضحت أنّ هناك 39 مدرسة تتبع نظام التعليم على مراحل مختلفة لتستطيع استيعاب الأعداد المتزايدة من الطلاب ما يجعلها فخورة بأنّ 98% من الطلاب والشباب السوريّين يلتحقون بالتعليم الأساسي.

وعرض طلاب المركز على المديرة العامة مجموعة الأشغال اليدويّة والمشاريع العلميّة التي صنعوها من مواد معاد تدويرها ما يعبّر عن طموحهم ليصبحوا أطباء ومهندسي وصحفيّي وعلماء المستقبل.

كما زارت المديرة العامة مركز (جيزيم دوجان أنيسنا) التعليمي الترفيهي الذي يتخذ من مبدأ "نمرح سويّة لنتعلّم كيف نعيش سويّة" شعاراً له.  

وقال مدير المركز: "نوفّر أنشطة تنمّي روح الفريق من خلال ألعاب تساعد على دمج الطلاب السوريّين مع نظرائهم الأتراك ما يجسّد رسالة العيش المشترك."

كما التقت المديرة العامة بمجموعة من الطلاب وشرحت لهم مهام الأمم المتحدة ودعم اليونسكو لتوفير التعليم للجميع لا سيما للفتيات.

ووفقا لما قالته رئيسة البلديّة، فإنّ 80% من اللاجئين يتطلّعون للعودة إلى بلادهم بعد انتهاء الحرب. ولكنّهم يواجهون تحدّيات كثيرة في هذه الأثناء. فهناك 663.138 لاجئ سوري تتراوح أعمارهم بين 6 سنوات و17 عاماً خارج برامج التعليم الرسميّة ناهيك عن الأعداد الكبيرة من الشباب الذين يحتاجون لبرامج تدريبيّة في مختلف المجالات.

وقالت المديرة العامة تعقيباً على زيارتها: "لقد لمست مقدار التضامن والاهتمام والتعاطف الذي يمنحه السكان المحليّون ومن بينهم رئيسة البلديّة للاجئين وهذا هو ما نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى لدعم الأشخاص الذين عانوا كثيراً. ففي القمة العالميّة للعمل الإنساني، دعت اليونسكو إلى تسخير كل الوسائل الممكنة لتوفير التعليم للأطفال الذين وقعوا ضحيّة النزاعات والأزمة الإنسانيّة. وإن ما وجدته في هذا المكان يجسّد تماماً كل ما ناقشناه في القمة ويستحق منا كل ثناء وتقدير."

وكانت المديرة العامة قد طرحت أمام السلطات المعنيّة، في إطار مشاركتها في القمة العالميّة للعمل الإنساني، مشروعاً من إعداد اليونسكو يهدف إلى زيادة فرص التعليم الابتدائي والثانوي للاجئين السوريّين في تركيا حيث يعزّز قطاع التعليم ويوفّر دورات تدريبيّة فنيّة ومهنيّة للمعلّمين بالإضافة إلى برامج محو الأميّة والتعليم العالي.