بناء السلام في عقول الرجال والنساء

جوردون براون: بناء "جيل متعلّم"

gordon_brown_new_york_2016.jpg

Gordon Brown, in New York, September 2016
17 تشرين اﻷول (أكتوبر) 2016

يمكن ضمان تعليم جيّد وشامل للجميع بحلول عام 2030 (الهدف الإنمائي الرابع) من خلال إحداث تغيير في طريقة تمويل التعليم، هذا ما قاله جوردون براون خلال اجتماع طاولة مستديرة بشأن التقرير العالمي لرصد التعليم 2016 في نيويورك. وقدّم بتاريخ 18 تشرين الأول/ أكتوبر 2016 في مقر اليونسكو مشروع آلية رائدة لتمويل قطاع التعليم. وأضاف براون قائلاً: «إنّنا نمتلك الوسائل والمعرفة والأدوات اللازمة لتوفير التعليم لجميع الأطفال. فإنّ التعليم للجميع ليس حلماً بل هو واقع يمكن تحقيقه».

قدّم جوردون براون، مبعوث الأمم المتحدة الخاص للتعليم العالمي ورئيس اللجنة الدوليّة المعنيّة بتمويل فرص التعليم العالميّ، أمام المجلس التنفيذي لليونسكو تقرير اللجنة المعنون "الجيل المتعلّم: الاستثمار في التعليم من أجل عالم متغيّر." 

قال براون في مقدّمة التقرير: "نقدّم اليوم خطة عمل من شأنها أن تساهم في توسيع نطاق فرص التعليم في التاريخ الحديث".

يقدّم التعليم حافزاً قويّاً لتقليل حالات الوفيّات بين الأطفال والأمهات، وانتشال الناس من حالة الفقر. ويمكن تحقيق أفضل النتائج من التعليم من خلال الاستثمار المبكّر في قطاع التعليم على حدّ كافٍ ولصالح الجميع والتعاون مع القطاعات الأخرى. وفي غياب حافز قوي للتعليم، لا يمكننا الاستمرار في جهود الإصلاح الاجتماعي التي شهدها القرنان التاسع عشر والعشرون، بما في ذلك محاربة عمالة الأطفال والزواج المبكّر. وتعمل اللجنة المعنية بتمويل فرص التعليم العالمي على توفير التعليم للجميع، بالاعتماد على مجموعة من الأدلة على التقدّم المميّز في قطاع التعليم حول العالم، لمواجهة التحديات المترتّبة على الحاجة الملحّة لتكييف نظام التعليم على نحو مستمرّ للردّ على حاجات الأجيال الجديدة.

التعليم للجميع واقع يمكن تحقيقه

نسعى إلى ايجاد عالم يتوجه فيه جميع الأطفال والشباب إلى مقاعد الدراسة حيث أنّ التعليم ليس حلماً بل إنه واقع يمكن تحقيقه كما حدث بالفعل في مجموعة من الدول. 

ويمكننا إيجاد "جيل متعلّم" إذا ما عملنا على تحويل أداء النظم التعليميّة، وإطلاق العنان للإبداع، وإعطاء اهتمام أكبر للابتكار، وزيادة التمويل وتحفيز كل الدول على تسريع وتيرة تقدّمهم لمواكبة أسرع التقدّمات التي تم تحقيقها في قطاع التعليم حول العالم والبالغة نسبتها 25%.   

ولكنّ ايجاد "جيل متعلّم" يتطلّب سدّ الفجوة بين الإنفاق السنوي على قطاع التعليم عام 2016 (1.2 تريليون دولار) والإنفاق المطلوب فعليّاً في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل بحلول عام 2030 (3 تريليون دولار). ونتوقع من الحكومات الوطنيّة أن تتخذ موقفاً رياديّاً في تمويل قطاع التعليم وتوظيف الأرباح المترتّبة على النمو وتحقيق الأهداف الواقعيّة في ما يتعلّق بنفقات قطاع التعليم. وإنّ التزامها بالإصلاح والاستثمار سيوفّر واحداً من أهمّ المحرّكات لإيجاد "جيل متعلّم ". ونؤمن بأنّ المجتمع الدولي يتحمل مسؤوليّة تقديم المساعدة الماليّة والدعم اللازمين للحكومات الراغبة  بالإصلاح والاستثمار على نحو فعليّ.  

الطرق المبتكرة لتمويل التعليم

وتأمل اللجنة التوصل إلى "اتفاق تمويليّ" من أجل هذا الجيل المتعلّم حيث أن التزام دولة ما بالاستثمار في التعليم كفيل بحشد دعم المجتمع الدولي. ولكن تتطلب جهود حشد التمويل الجديد نهجاً مبتكراً للتمويل فضلاً عن طرق جديدة للاستفادة من الموارد المتاحة. ففي عالم تعمّه اليوم حالة من عدم الاستقرار الاقتصادي وإهمال التأثير المحتمل للإنفاق الدولي، لا بدّ من الاستناد إلى أدلّة واقعيّة وواعية للمزيد من التمويل الأقوى والأكثر فعاليّة. ولكن هذا ليس كافياً. لا بدّ لنا من ايجاد طرق جديدة  ومبتكرة لحشد حركة من التمويل العالمي لقطاع التعليم.

وتقدّم اللجنة توصيات جادّة لتوحيد جهود المؤسسات التي يمكن لها إحداث تغيير كبير اليوم، مثل البنوك التنموية متعدّدة الأطراف التي تمتلك القدرة على توفير حوالي 20 مليارا من التمويل الإضافي لقطاع التعليم سنويّاً.

فإن مشروع آليّة الاستثمار في قطاع التعليم للبنوك التنموية متعدّدة الأطراف يجمع بين الفرصة الفريدة لتوفير تمويل إضافي كبير من البنوك متعدّدة الأطراف وزيادة التمويل في قطاع التعليم وذلك بدعم من المشاريع السابقة لتوفير صندوق عالمي للتعليم. فإنّ زيادة مستويات تمويل قطاع التعليم على المستوى الدولي لمواكبة المستويات التي توصل إليها المجتمع الصحي ليس مجرّد ضرورة أخلاقيّة. حيث تعود أهميّة هذا الاقتصاد إلى حقيقة أنّنا نشهد اقتصاداً عالميّاً مترابطاً ومتداخلاً إلى حدّ كبير.  

علينا إطلاق العنان لإبداعنا في مجالي التعلّم والتعليم

إنّنا بحاجة إلى موارد أكثر في مجال التعليم. ولكن يجب علينا أوّلاً استخدام الموارد المتاحة حاليّاً على نحو أكثر فعاليّة. ثم علينا إيجاد موارد جديدة وتقليل الخسائر وضمان استثمار كل دولار في التعليم. فلا يجب على قطاع التعليم في القرن الحادي والعشرين أن ينقل طابع التبعيّة بل يجب أن يساهم في تنمية كفاءات الجميع.

وبالتالي، لا بدّ من نقل مسألة الابتكارات في التعليم والتعلّم إلى قلب الخطة التربويّة. فأي رسالة يمكن لنا أن ننقلها في حين أنّ المدارس تنقل رسائل من القرون الماضية، حتى في ظلّ ما توصلنا إليه اليوم من مكننة المصانع، ورقمنة المستشفيات ونقل خدمات الاتصال والتواصل إلى البيوت.

نحن في حاجة إلى الاستثمار في القوى العاملة في مجال التعليم، وتخيّل النتيجة التي يمكن أن نصل إليها. ونحن في حاجة أيضا إلى تركيز الاهتمام على المعلّم ما يتطلّب النظر إلى قدرات المعلّم نظرة جديدة أكثر ايجابيّة، والعمل معه يداَ بيد، والاستثمار في القوى العاملة في قطاع التعليم ككل.

وإننا في حاجة كذلك إلى ايصال خدمة الانترنت إلى جميع الصفوف من خلال بنية تحتيّة رقميّة. وفي ظلّ خطتنا، فإنّ كل الصفوف في القرى ومخيمات اللاجئين البعيدة وفي المدن المكتظّة على حدّ سواء، سيتم تزويدها ببنية تحتيّة رقميّة.

الأولويّة للفئات الأكثر ضعفا

يجب إعطاء أولويّة كبيرة للأطفال الأكثر عرضة لخطر الحرمان من فرص التعليم من أجل ألّا تولّد الفرص غير المتساوية في جيل ما ويستمر التمييز وعدم المساواة إلى الأجيال التي تليه. ولا بدّ من أن نمنح اهتماماً أكبر لاحتياجات الأطفال في المناطق الريفيّة وفي الشوارع وفي المخيّمات بالإضافة إلى الأطفال ذوي الإعاقة والمكفوفين. حيث أنّ كل واحد من هؤلاء الأطفال بحاجة إلى مزيد من الموارد وتوظيف تكنولوجيات جديدة لتلبية حاجاتهم. ويمكننا تحقيق هذه الغاية فقط من خلال شموليّة توحّد الالتزام بتلبية حاجات كل طفل من خلال توفير المزيد من الموارد المخصصة للأطفال الأكثر حاجة.

التعليم حقّ من حقوق الإنسان وضرورة اقتصاديّة

إنّنا نمتلك الوسائل والمعرفة والأدوات اللازمة لتوفير التعليم لجميع الأطفال. وتعدّ توصيات اللجنة جوهريّة وموثوقة حيث أنّها تعزّز الجهود الإصلاحية الجارية في بعض الدول حاليّاً، وتعمل ضمن حدود معدلات النمو المتوقّعة وتوسعات الميزانيّة المحتملة. ولكن ما يثير القلق هو أنّ بعض الحكومات تعاني من ضغط شعبيّ كبير لسد أوجه القصور في قطاع التعليم حيثما وجدت. ونادراً ما يتقبّل القادة فكرة خسارتهم للانتخابات بسبب فشل جهودهم في مجال التعليم حتى ولو كانت نظمهم التعليميّة بالأصل في حالة انهيار. فإن من أهداف هذا التقرير التوصل إلى بيئة عامة يحرص فيها الآباء والطلاب والمعلّمين وكل الجهات المعنيّة بمستقبل التعليم، على احترام حق كل طفل بالتعليم.

ولدعم كل هذه الجهود، ندعو إلى القيام بأعمال جديدة لضمان تحميل جميع الدول، الشركاء في التطوير والتنمية، مسؤوليّة تحقيق التزاماتهم تجاه الأطفال، بالإضافة إلى ضمان أن تراقب الأمم المتحدة التقدّم الذي تحقّقه الدول في مجال التعليم ولفت الانتباه للدول العاجزة عن الاستثمار والتقدّم. يمكننا كآباء ومعلّمين، بوصفنا مؤثرين وصنّاع تغيير، العمل على نحو أفضل للتمسّك بهذا الوعد. فنحن نعلم أنّ التعليم يطلق العنان للأمل ويطوّر المواهب ويفجّر الإمكانيّات الكامنة. والآن، علينا أن نؤكد حقيقة انّ التعليم حق من حقوق الإنسان وحق مدني وضرورة اقتصاديّة.