بناء السلام في عقول الرجال والنساء

تشاطر المنافع، وعلم الوراثة البشرية ووباء فيروس الإيبولا موضوعات ناقشتها لجان اليونسكو لأخلاقيات البيولوجيا

عقدت اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التابعة لليونسكو واللجنة الدولية الحكومية لأخلاقيات البيولوجيا حلقة نقاش عامة تناولت محورين رئيسيين هما: المادة 15 المعنية بمبدأ تشاطر المنافع من الإعلان العالمي لأخلاقيات البيولوجيا وحقوق الإنسان، والمجين البشري وحقوق الإنسان.

وبالإضافة إلى ذلك، اعتمدت اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا واللجنة الدولية الحكومية لأخلاقيات البيولوجيا بيانا مشتركا يسعى إلى تعزيز المبادئ المُدرجَة في الإعلان العالمي لأخلاقيات البيولوجيا وحقوق الإنسان، وإلى تحسين الدعم المقدَّم على الصعيد الدولي للقضاء على وباء فيروس الإيبولا، وذلك إقرارا منهما بالدور الفريد الذي تضطلع به اليونسكو في مجال أخلاقيات البيولوجيا ضمن المجتمع الدولي وبحالة الطوارئ التي تفرضها الأزمة الصحية المتصلة بتفشي فيروس الإيبولا في غرب أفريقيا.

ويندرج النظر في المحورين الرئيسيين لحلقة النقاش المشتركة في إطار التطوّرات الحالية التي يشهدها العالم. وتثير مسألة تشاطر المنافع مشكلات أخلاقية خطيرة يتعيّن معالجتها بهدف تسهيل تشاطر عادل ومنصف للمنافع العلمية والطبية والتكنولوجية. ويدعو المبدأ إلى تشاطر المنافع الناجمة عن البحوث العلمية وتطبيقاتها مع المجتمع ككل، وإلى احترام الإشارات التي تتيح المعرفة العلمية بوصفها منفعة عامة مشتركة.

ومن البديهي أن يكون مفهوم تشاطر المنافع مثيرا للاهتمام بالنظر إلى الفوائد الجمّة التي قد يفضي إليها تبادل نتائج البحوث العلمية والابتكارات التكنولوجية، وبخاصة في مجال الصحة، مع الناس في جميع أنحاء العالم. ولكنّ مبدأ تشاطر المنافع مبدأ شامل للغاية من الناحية النظرية، ولا يمكن تطبيقه من دون البدء بتحديد نطاقه. فسعت مناقشة هذه المسألة بالتالي إلى معالجة مسائل عملية تتصل بتطبيق هذا المفهوم من أجل المساعدة في إرساء أساس متين يتيح تحقيق مبدأ تشاطر المنافع على نحو فعّال.

وتثير مناقشة مسألتي المجين البشري وحقوق الإنسان مشكلات أساسية تتصل بطبيعة البحوث الجينية. فالتطوّرات التي طرأت مؤخرا على مجال تكنولوجيا الجينات، مثل وهب الحمض النووي الميتوكوندري ووضعه في الأجنة البشرية والاختبارات الجينية المتاحة مباشرة إلى المستهلك، قد أثارت جدلا واسعا في جميع أنحاء العالم. وبما أنّ عملية حل رموز الشفرة الجينية أصبحت أسرع وأقل كلفة، فقد أصبح التسلسل الجيني، وحتى تسلسل المجين الكامل، أكثر شيوعا. وهذه التطوّرات تشكل، من جهة، تطوّرات استثنائية، وتثير، من جهة أخرى، عددا كبيرا من المشكلات الأخلاقية الخطيرة، مثل الانتفاع بالمعلومات الجينية الشخصية، ومشكلة النتائج العرضية وحماية المعلومات الجينية الشخصية المخزَّنة في البنوك الحيوية. وقد شكلت المسائل المتصلة باستخدام التقنيات التي تنطوي على نقل نووي بهدف الحؤول دون ولادة أطفال يعانون من اضطرابات خطيرة مصدر قلق كبير.

ولا يتم تخطي التحديات الأخلاقية التي تفرضها هذه المسائل بسهولة. فهي تقتضي النظر بتعمّق فيما يدين به كل شخص منا للشخص الآخر، وذلك استنادا إلى ما ننفرد به من هويات في إطار إنسانيتنا المشتركة، وفي المجينات والتحديات الصحية. ويتعيّن الاحتفاء بالتطوّرات المحرزة على صعيد فهمنا للمعارف العلمية واستخدامها، ولكن ليس على حساب القيم الأساسية.

وأتاح اجتماع اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا واللجنة الدولية الحكومية لأخلاقيات البيولوجيا فرصة للإسهام في تنقيح التوصية بشأن أوضاع المشتغلين بالبحث العلمي (1974)، والنظر في العرض الذي قدّمه مجلس أوروبا بشأن الجوانب الأخلاقية للتكنولوجيات المتقاربة. والتوصية، التي تمثَّل الهدف منها في إرساء مبادئ توجيهية للواجبات المتبادلة بين المشتغلين بالبحث العلمي والمجتمع بشكل عام، قد وُضِعَت في زمن التوترات الكبرى التي كانت تحيط بمفهومي الحرية الأكاديمية والتواصل المفتوح في مجال البحث العلمي. وبفعل التغيّرات التي طرأت على السياقات الجغرافية والسياسية والاقتصادية والثقافية لعملية البحث، وبالنظر إلى أنّ البحوث غالبا ما تُنجَز في أيامنا هذه خارج نطاق الحدود الوطنية وعلى الصعيد الدولي، فقد أصبح من الضروري إعادة النظر في النهج المعتمد لتحديد الواجبات المتبادلة بين المشتغلين بالبحث العلمي والمجتمع.

وأتاح العرض المتصل بالتكنولوجيات المتقاربة التعمّق في عدد كبير من التبعات الأخلاقية المرتبطة بالتطوّرات المحرزة في مجال تقنية النانو، والتكنولوجيا البيولوجية، وتكنولوجيا المعلومات والعلوم الاستعرافية. والأهم من ذلك أنّ عرض هذه المسألة قد سمح لوكالات الأمم المتحدة والمنظمات الحكومية الدولية بتبادل معلومات بشأن أنشطتها المنفَّذة في مجال أخلاقيات البيولوجيا وبالتالي توثيق عرى التعاون فيما بينها في هذا المجال على الصعيد الدولي.

وتسعى اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا واللجنة الدولية الحكومية لأخلاقيات البيولوجيا بالتالي إلى الإسهام في وضع رؤية إنسانية عالمية يكون في إطارها السعي إلى التقدّم والابتكار في المجال العلمي منسجما مع تعزيز القيم الإنسانية وحقوق الإنسان.