بناء السلام في عقول الرجال والنساء

الثقافة كمصدر للتنمية المستدامة والتماسك الاجتماعي

من الذي لا يعرف البتراء؟ قليل من لا يعرفها، ولكن هل يعرف الجميع أن اسمها في اليونانية يعني "الصخرة"؟ انها ايضا موقع للتراث العالمي منذ عام 1985، وهي مصدر الجذب السياحي الأكثر شعبية في الأردن. البتراء في الواقع مليئة بالصخور: بعضها كبير، وبعضها دقيق، بعضها مستقر، وبعضها أقل استقراراً.

السيق، وهو ممر يبلغ طوله ميلا واحداً، وتظهر الخزنة في نهايته بشكل درامي هو منطقة فريدة من نوعها ولكنها هشة، وعرضة للمخاطر البيئية. وقد تحركت الحكومة في عام 2011 وبحكمة من أجل المساعدة في تحديد ورصد استقرار السيق. وحرصاً منها على المساعدة، قامت اليونسكو بدعم توطيد الكتلة ونفذت تقييماً سريعاً. وبتمويل سخي مقدم من التعاون الإيطالي للتنمية، قامت اليونسكو بقيادة مشروع "استقرار السيق: تقنيات الرصد المستدامة لتقييم عدم استقرار المنحدرات في السيق بالبتراء".

منذ انطلاق المشروع في عام 2012، قامت كل من دائرة الآثار وسلطة إقليم البتراء التنموي السياحي والمعهد الإيطالي للحماية البيئية والأبحاث والخبراء الأردنيون من الجمعية الوطنية للمحافظة على البتراء والخبراء الجيولوجيون ومجموعة زماني للأبحاث من جامعة كيب تاون، بدعم عمليات المشروع الناجحة –رغم صعوبتها من الماحية الفنية-.

ومؤخرا، عادت مجموعة أبحاث زماني (من جنوب أفريقيا) إلى الأردن للتوسع في تطوير منصة نظام المعلومات الجغرافية المشتركة (GIS) وتدريب الفنيين المحليين لإتقان استخدام نظم المعلومات الجغرافية. وشدد بروفيسور الرسوم المتحركة،هاينز روثر، على امتلاك المجموعة لـ "واحد من المشاريع الأكثر تحديا في العالم" محذرا المتدربين" أنه من المستحيل إجراء مسح دقيق بالليزر للسيق بأكمله، إلا أنه وباستخدام نظم المعلومات الجغرافية يمكنك إجراء التحسين الاستباقي للطبيعة غير المستقرة للسيق والحجارة فوق السيق ". وباستخدام 144 نقطة معلمة في نظام تحديد المواقع الجغرافية (GPS)، وأكثر من 2000 مسح ضوئي و500 استعراض بانورامي، تمكنت المجموعة من وضع مقاطع مستعرضة ومشاهد بانورامية لمعظم منطقة البتراء.وكانت النتائج مذهلة؛ حيث يمكن للمرء أن يجري جولة ثلاثية الأبعاد للبتراء من مقعده في أي مكان في العالم وأن يشعر كما لو أنه يتجول بين الوديان والمنحدرات والجبال الصخرية في المدينة القديمة.

بعدهذه النتائج، أصبح المتدربون السبعة مستثمرين شخصيا. "الآن أريد أن أصبح محترفا في نظم المعلومات الجغرافية والممارسة تقربنا من الكمال"، على حد قول أريج الفرجات، 26 عاما، وهي خريجة الجامعة الأردنية وتعمل في وادي موسى منذ أربع سنوات. ويتعجب المتدربون الآخرون من الكيفية التي يمكن بها رصد التغييرات التي تتلو الفيضانات المفاجئة في السيق وذلك باستخدام نظم المعلومات الجغرافية.

في نهاية حزيران، تم تقديم إلى دائرة الآثار الأردنية توثيق للموقع ، حيث تم نقله إلى هناك. وبينت المناقشة النجاحات المحيطة بالمشروع اثناء وجود جهات معنية اخرى بما في ذلك إعادة البناء الرقمية الهائلة للسيق والمعالم الرئيسية للموقع. وقالت رئيسة مكتب اليونسكو-عمان، كوستانزا فارينا، "يسعدني أن هذه الندوة تجري اليوم، حيث أنها فرصة بالنسبة لي للتعرف على الشراكة المؤسسية الطويلة التي حظيت بها اليونسكو للاستمتاع مع دائرة الآثار وسلطة إقليم البتراء التنموي السياحي. فمشاركتهم المهنية ودعمهم هي المفتاح لأي مبادرة ناجحة ".

بتمويل هذا المشروع الطموح، استثمرت إيطاليا موارد مالية كبيرة لحماية سيق البتراء وساهمت كذلك في خبرات متخصصة وقيمة في مجال المخاطر الجيولوجية المطبقة على التراث الثقافي.

منذ تسلمها رئاسة الاتحاد الأوروبي اعتبارا من 1 تموز، تميزت ايطاليا على نطاق واسع في الحفاظ على التراث الثقافي وتقدم التشجيع اللأردن أيضا. وضمن الرؤية الاستراتيجية التي تشجع القطاع الثقافي بقوة كمحرك للتنمية المستدامة، لتوليد الدخل، وخلق وظائف لائقة وتحسين سبل العيش، تحافظ ايطاليا على وجوده االبارز. وبصفته خبيراً في الثقافة، يقول السفير الإيطالي في الأردن، باتريسيو فوندي: "الثقافة هي عنصر تمكين وتحريك من أجل التنمية المستدامة، والتي للأسف لم تنعكس في الأهداف الإنمائية للألفية. ومع ذلك، جميعنا يعلم أن الثقافة تمكن الاستدامة بدقة - كمصدر للهوية، والتماسك الاجتماعي، وتساعد الناس على الشعور بمستقبلهم ".

في ديسمبر 2013، تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا بشأن الثقافة والتنمية، والتي مثلت نقطة تحول، معترفا وبالتفصيل بالصلات المباشرة بين الثقافة والركائز الثلاث للتنمية المستدامة: الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.

وينعكس التطبيق العملي لهذا النهج المبتكر في مشروع اليونسكو هذا. عاطف هو رجل بدوي ذكي نشأ في قرية صغيرة في البتراء. اعتاد الأصدقاء على تسمية عاطف "آخر بدوي في العالم" حيث انه يبيع بضاعته للسياح من متجر صغير، يقع بالقرب من دير في نهاية الرحلة السياحية الى البتراء. كل ذلك تغير عندما ارتبط عاطف مع اليونسكو وأصبح مهتما في تسلق الصخور.

من خلال مشروع استقرار السيق، تعلم عاطف كيفية توسيع نطاق السطوح الهائلة بأمان من أجل رصد المناشير الضوئيه الصغيرة. المنتجه في ايطالياا، وهي تستخدم كعاكسات بإطارات خاصة لرصد المبانى التاريخية. يستطيع عاطف أن يصل إلى هذه الأجهزة التي وضعت باماكن خطرة غير مستقر وذلك بفضل مهاراته الجديدة ويمكنه كذلك رصد المكررات التي تجمع البيانات لاسلكيا، وتتبع مقاييس التشققات والمعدات التقنية المتطورة الأخرى المثبتة في ستة مواقع خطرة على طول السيق.يأخذ عاطف صورا لأي تغييرات للسيق ويتم إرسالها إلى قريه البتراء الأثرية ومكتب اليونسكو عمان لرصد وتقديم تدخلات للصيانة أو الإصلاح عند الاقتضاء.

اعتاد السكان المحليون على تحطيم المناشير الضوئيه الصغيرة الدقيقة بالصخور، ظناً منهم أنها كاميرات. إلا أنه ومنذ المشاركة النشطة لعاطف، دأب على تثقيف أفراد المجتمع على المناشير الضوئيه ويقول بفخر، "إذا عبث أي شخص المناشير الضوئيه ، يقوم البدو بإخبار عاطف!"

عاطف، متزوج وله ابنتان، ويعيش هو وأسرته الصغيرة الآن في قرية بدوية عدد سكانها 3000 نسمة تسمى أم صيحون. ويبتسم عاطف حين يتحدث عن تغير حياته بفضل تحسين الرواتب ونوعية العمالة: " أنا الآن أعمل من كل قلبي وأنا أكثر تفاؤلا". إن العمل في أكثر مناطق الجذب السياحي في الأردن عامل محفز دائما ويشدد عاطف على أهمية "رده الفعل قبل أن يعاني السيق المزيد من الضرر" حتى يتمكن المسافرون والمقيمون من مواصلة التمتع بجمال هذا الكنز الغالي في المملكة لفترة طويلة قادمة.

وقد أثبتت الأدلة العالمية أن سياسات التنمية التي يتم تجذيرها بمسؤولية ضمن سياقات ثقافية محددة تسفر عن نتائج إنمائية أقوى وأكثر استدامة. تعتقد اليونسكو بشدة أن الثقافة يمكن أن تسهل الاندماج والمصالحة. وبناء على الاعتراف بالعلاقة بين الثقافة والتنمية المستدامة، تدعو اليونسكو إلى دمج الثقافة بصراحة في جدول أعمال التنمية لما بعد عام 2015، ولا سيما في إطار الأهداف الاستراتيجية للتنمية المستدامة في المستقبل.