بناء السلام في عقول الرجال والنساء

الأحداث

تيسير التعلّّم بفضل تقاسم حرّ وشرعي

cou_02_17_4.jpg

Creative Commons
يبقى غياب منظومة كونية تسمح للجميع بالوصول إلى الموارد التربوية الجيّدة، مشكلة عالمية. ويعتبر كايبل غرين أن التعليم المفتوح هو بصدد توسيع إمكانيات النفاذ لهذه الموارد وتخفيض كلفتها، حتى تعم الفائدة طلبة العالم بأسره.

كايبل غرين

يتّسم عصرنا بوفرة المعلومات حيث يُمكن للجميع، ولأول مرّة في التاريخ، الحصول على كل المعلومات المرجوّة. وتفتح هذه الثورة  آفاقا جديدة للتعلّم، شرط أن تتوفّر الموارد التربوية الحرّة، أي المعدّات التي يمكن اقتناؤها بصفة حرّة و التي يمكن بكل شرعية، تحميلها أو تعديلها أو تقاسمها خدمة لمصلحة التلاميذ.


CC David Kindler

منذ عشرين سنة، أصبحت مختلف الموارد المُستعملة لتعليم القراءة والكتابة ولتلقين مبادئ الفيزياء أو لتطوير الفكر النقدي، تنتج في صيغة رقمية «منذ البداية»: كتب، أشرطة فيديو، دروس، برامج مانحة للشهادات، وغيرها. وإن كنّا نواصل استعمال المطبوعات والحصول على المعدّات التربوية دون اللجوء إلى الإنترنت، إلّا أننا نحتفظ بها جميعا في ملفات رقمية. وبفضل النات، والكلفة البسيطة لاسطوانات الحفظ، والسحابات الرقمية، أصبح من الممكن، وبدون ثمن، تخزين الموارد التربوية ومضاعفتها وتوزيعها.

لكن كيف يمكن تقاسم مضامين تربوية رقمية، لغاية التعليم، دون خرق قانون الملكية الفكرية ؟ كيف يمكن القيام بذلك بصفة شرعية ؟
إن أهم علامة مميِّزة للموارد التربوية الحرّة هي إجازتها «المفتوحة» والتراخيص القانونية الممنوحة للعموم للإستعمال والتعديل والتوزيع. وكل مورد تربوي لا ينص بوضوح على أنه ملك للعموم أو أن إجازته حرّة، لا يُعتبر موردا تربويّا حرّا.

والوسيلة الأكثر انتشارا لوضع مورد تربوي، حقوق مُؤلفه محفوظة، في نظام الإجازة الحرة وإدراجه ضمن الموارد التربوية الحرة، هي أن يكون حاصلا على إجازة  «كرياتيف كمنس» (الإبداعات المشتركة)، وهي إجازات موحّدة، مفتوحة وحرّة الإستعمال، كما أنها، حسب تقرير «كرياتيف كمنس» لسنة 2015، تمّ تطبيقها إلى حد الآن على أكثر من 1،2 مليار من الإنتاجات المحمية، عبر 9 ملايين موقع واب. وعندما يُخضِع مؤلف انتاجَه إلى إجازة «كرياتيف كمنس» فإنه يقبل بتوزيعها مجانا للعموم، وفي نفس الوقت يحتفظ بحقوقه للتأليف، حسب الترتيبات والشروط التي يختارها.

استغلال أقصى إمكانيات الموارد التربوية الحرّة

لا بدّ أن نوضّح أن صفة «مفتوحة» لا تترادف مع «مجانية». فالنّفاذ إلى كافة «الموارد التربوية الحرّة» مُتاح، لكن هناك مضامين أخرى مجانية ليست كلها مصنفة كموارد تربوية حرّة. إذ يمكن مثلا الحصول على عدد من الدروس المفتوحة للجميع عبر الإنترنت (المعروفة بتسمية «مووك») ، ولكن لا يمكن اعتبار هذه الدروس من الموارد التربوية الحرة إلاّ إذا كانت حائزة على الإجازة الحرة أو إذا انخرطت في المجال العام. وندرك أن الفرق جسيم عندما نريد ترجمة الدروس المفتوحة للجميع (مووك) إلى لغات أخرى و/أو إدخال تعديلات لتكييفها مع السياق المحلّي، للإستجابة إلى حاجيات الطلبة.

يمكن الإحتفاظ بكلّ حرية بالموارد التربوية الحرة (نسخها)، كما يمكن إعادة استعمالها (في شكلها الأصلي)، أو مراجعتها (تكييفها أو تعديلها أو تغييرها)، أو إعادة تركيبها (الخلط مع مضامين مختلفة لخلق مضمون جديد)، أو إعادة توزيعها (تقاسمها مع مستعملين آخرين)، وذلك دون خرق لقانون حقوق المؤلف. ولكي يتسنّى استغلال أقصى إمكانيات الموارد التربوية الحرة، يجب طبعا ضمان توفير المعدات في مجال تكنولوجيات المعلومات والإتصال، ووضعها تحت تصرف الجميع - مدرسين ومتعلّمين - وفي كلّ الأماكن، من حواسيب وأجهزة محمولة وربط مع شبكة الإنترنت.

وخلاصة القول، إذا تحدثنا عن الموارد التربوية الحرة، فذلك يعني : 1) الموارد التربوية متوفرة في شكل رقمي (يتمّ إنتاجها عادة بطريقة رقميّة، ولو أنه من الممكن وضعها على ذمّة المُتعلّمين في الشكلين، الرقمي والمطبوع)، ويُمكن تخزينها ونسخها وتوزيعها بدون أي تكلفة أو يكاد. 2) تسمح شبكة الإنترنت للجميع بتوزيع المضمون الرقمي بكل يسر. 3) بفضل الإجازات المفتوحة - «كرياتيف كمنس» - يمكن المحافظة على حقوق المُؤلف بسهولة وبصفة قانونية، مع إمكانية تقاسم الموارد التربوية المُنجزة مع العالم بأسره، وبصفة قانونية أيضا.

ماذا نجني من ذلك ؟ 

 إن اختيار الموارد التربوية الحرّة يمكّن مؤسسات التعليم العالي من تعزيز منظومتها التربوية، أوّلا بضمان مساواة أكبر في النفاذ إلى المعارف، وذلك بتمكين كافة الطلبة، منذ اليوم الأول، من الوصول إلى جميع الموارد التربوية التي تمّ إنتاجها في سبيل نجاحهم. وهو أمر يبدو بديهيّا، غير أن ثلثي طلبة الجامعات، حتى في الولايات المتحدة، لا يقتنون الكتب المطلوبة لقلّة المال.

والتأثير الإيجابي الثاني يتمثّل في حصول كافة الطلبة على مضامين تربوية وثيقة الصّلة بأبحاثهم وتندرج في سياقها، باعتبار أنها أعدّت خصيصا لهم. وعلى سبيل المثال، فالأستاذ الذي يُدرّس في منباي بوسعه أن يقوم بتحميل كتاب تمّ توزيعه من قبل جامعة برشلونة بإجازة حرّة، ويمكن له ترجمته إلى الهندي مُضيفا له الأمثلة المناسبة لتيسير استيعابه من طرف طلبته وطالباته.

ثالثا، إن نتائج التعلّم تتحسّن، أو هي قد لا تتغيّر، لكن الكلفة تتقلّص إلى أن تُصبح شبه مجانية. فعندما يحصل كافة الطلبة الذين يتابعون درسًا ما، على جميع الموارد اللازمة منذ اليوم الأول، فمآلهم النجاح. وحسب تحليل صدر سنة 2015 وشمل أكثر من 16.000 طالب في مرحلة ما بعد التعليم الثانوي العام، فإن الطلبة الذين يستخدمون الموارد المفتوحة يحصلون على نتائج جامعية مساوية لنتائج زملائهم الذين يستعملون الكتب على المنوال القديم، وربما أحسن (1).

رابعا، نلاحظ أيضا تحسّنا في نسب إتمام الدراسة. فحسب المعطيات التي سجّلتها تايدوتر كميونتي كولدج-فرجينيا، فإن طلبة مختلف الإختصاصات الذين يستعملون الموارد التربوية الحرة تحصّلوا على نتائج أعلى بنسبة 11٪ سواء في ما يخص إتمام الدراسة أو النجاح (2). وعندما يُمنحون إمكانية الحصول على مختلف الموارد التربوية التي يحتاجونها، فإن الطلبة يُنهون دراستهم وينجحون. ونظرا لتزايد عدد الطلبة الذين يُتمّمون الدراسة، تتقلّص مدّة دراستهم. وبفضل الموارد التربوية الحرة، تقوم المؤسسات بمساعدة الطلبة على مزيد من التقدم نحو تحقيق أهدافهم، بأكثر سرعة ونجاح، وهو ما يُضفي على الإستثمارات العمومية نجاعة أكبر.

أما الفائدة الخامسة، فتتمثّل في أن الطلبة والأساتذة، بإدراج الموارد التربوية الحرة في مجالات التعلّم، يُصبح بإمكانهم اختيار التطبيقات التربوية المفتوحة، أو بعبارة أخرى، حسب تعريف كاترين كرونان (3)، «ممارسات تعاونية لإنتاج الموارد التربوية الحرّة، واستعمالها وإعادة استعمالها؛ وممارسات بيداغوجية ترتكز على التكنولوجيات التشاركية، والتعلم مع الزملاء، وإنتاج المعلومات وتوزيعها، واستقلالية المتعلّمين». وهكذا يُصبح الطلبة شركاء في الإنتاج، مُولّدين ومبتكرين للمعارف، قادرين على خلق الموارد التربوية الحرة وتحيينها وتحسينها في الوقت الذي يتعلّمون فيه.

المطالبة بالدّعم السياسي

من بين الوسائل التي يمكن للحكومات اعتمادها لدعم التربية المفتوحة هي أن تتوخى سياسة بسيطة تتمثّل في فرض الإجازة الحرة على الموارد التربوية المُموّلة من الميزانية العمومية.

ويكفي لذلك أن يتمّ إدراج، في النظم الحالية لتمويل الموارد التربوية (إعانات، وعقود، وغيرها)، شروطا تفرض الإنتاج بنظام الإجازة الحرة، والتي بموجبها تتحوّل المضامين إلى موارد تربوية حرة، فيتغيّر وضع الموارد المُموّلة من طرف الدولة من «مغلق» إلى«مفتوح». وهناك تِعلّة مقنعة جدّا بالنسبة للسياسات التربوية : فبما أن المواطنين هم الذين يموّلون هذه الموارد بمساهماتهم في ميزانية الدولة، يحقّ لهم استعمالها بدون دفع إضافي، علاوة على امكانية تغييرها بشكل قانوني، حتى تستجيب للحاجيات المحلّية.

كل هذا يبدو غنيّا عن التعليل، ولكنه لا يمثل القاعدة. مع الأسف، في كثير من الحالات، نجد الموارد التي تمّ تصميمها بحكمة وإنتاجها بإعانة من المال العام، معروضة للبيع، ولا يطالها إلاّ من يُبدي استعدادا لدفع ثمنها مرّة ثانية. ولكن، لماذا نفرض هذه التكاليف الإضافية على المواطنين ؟

بإمكان، بل من واجب الحكومات والمؤسسات الخيرية والمؤسسات التربوية وضع سياسات للنفاذ الحر إلى الموارد التربوية، وفرض إدراج هذه المواد في نظام الإجازة الحرة،  بما أنها هي التي موّلت إنتاجها. إن السياسات الصارمة تجعل من الإجازة الحرّة أمرا إجباريا، وتطبّق تعريفا واضحا لها، والأفضل باعتماد إجازة «كرياتيف كمنس» التي تعترف بحقّ إعادة الإستعمال الكامل، شريطة ذكر إسم المؤلف.

ومن دواعي الإرتياح أن يوجد مثل هؤلاء السياسيين. ففي جوان 2012، عقدت اليونسكو في مقرها مؤتمرا دوليا للموارد التربوية الحرّة، وأصدرت "إعلان باريس حول الموارد التربوية الحرة 2012" الذي يدعو الحكومات إلى «تشجيع منح الإجازات المفتوحة للمعدّات التربوية التي يتمّ إنتاجها بالأموال العمومية». ويُسعدني أن أعلن بأن العديد من الحكومات نفّذت هذه التوصية.

وفي الختام، إذا أردنا تعميم الموارد التربوية الحرة، وإذا أردنا أن تغطي هذه الموارد كافة مراحل التعليم وكلّ المواد وفي كلّ اللغات، وأن تكون ملائمة للحاجيات المحلية، وإن أردنا الحصول على التمويلات الضرورية لإنتاجها، وتبنّيها وتحيينها بصفة منتظمة، فلا بدّ، أوّلًا،  من تعميم الوعي بأهميتها ودعمها باستمرار؛ وثانيًا، اعتماد سياسات منح الإجازات التربوية المفتوحة، وذلك على نطاق واسع. ولمّا يُصبح كل المُربّين شغوفين بالنفاذ الحر والمفتوح إلى هذه الموارد، وعندما نكون قد غيّرنا الأنظمة المالية، ويصبح الوصول لكافة الموارد التربوية المُحدثة بالمال العمومي «مفتوحا» بصفة آلية وليس «مغلقا»، عندها سنعيش في عالم يتيح للجميع الحصول على التربية التي يرغب فيها.

1. Lane Fischer, John Hilton, T. Jared Robinson & David Wiley, 2015 : A multi-institutional study of the impact of open textbook adoption on the learning outcomes of post-secondary students, Journal of Computing in Higher Education, 2015.
2. Lane Fischer, John Hilton, David Wiley, Linda William, 2016 : Maintaining momentum toward graduation: OER and the course throughput rate, The International Review of Research in Open and Distributed Learning, 2016.
3. Catherine Cronin, 2017: Openness and praxis: exploring the use of open educational practices in higher education, International Review of Research in Open and Distributed Learning, 2017.

تنشر رسالة اليونسكو هذا المقال بمناسبة المؤتمر الثاني للمواد التربوية الحرّة الذي ينعقد في 17 سبتمبر 2017  في لوبليانا، سلوفيني، بإجازة دولية:
Attribution 4.0 Creative Commons

.

كايبل غرين

يُدير كايبل غرين (الولايات المتحدة) مصلحة التّعليم المفتوح لدى كرياتيف كمنس (الإبداعات المشتركة) التي تجمع أكثر من 500 نفر، من باحثين وناشطين وخبراء في المجالات القانونية والتربوية والعلمية والموسيقية والإستراتيجية وكذلك متطوّعين، صلب شبكة عالمية متواجدة في 85 دولة.