بناء السلام في عقول الرجال والنساء

زاوية كبرى

تنمية الفكر النقدي ضد الأخبار «الزّائفة»

cou_02_17_emi_03.jpg

“Data.Path” (2013), by Japanese artist, Ryoji Ikeda, whose installations aim to make the invisible digital network visible and palpable, as it permeates and defines our world.
© Ryoji lkeda
بعد التصفّح الخفيف والثرثرة والتّحاور السطحي على الإنترنت، أفضى التحول الرقمي للمشهد الإعلامي إلى إمكانية استخراج المعطيات بهدف المناورة والتضليل، وهذا من شأنه أن يؤكّد الأهمية المتزايدة للتربية في مجال وسائل الإتّصال والإعلام، تربية لا بد لها أن تعيد التفكير في وسائل الإعلام وفي الأسس السياسية والأخلاقية التي تُكسبها شرعيتها.

ديفينا فراو-مايجس

في الوقت الذي تتعرّض فيه وسائل الإعلام إلى تهديدات من كل الجهات، مهما كانت طبيعة الأنظمة، ديمقراطية كانت أم غير ديمقراطية، كثيرا ما يقع الإلتجاء هذه الأيام إلى التربية على وسائل الإتّصال والإعلام. انطلقت إشارة الإنذار من فرنسا في 7 يناير 2015إثر الإعتداء على المجلة الفرنسية الهزلية شارلي هبدو وهو هجوم استهدف التصوير الهزلي، أحد أقدم أشكال الإعلام في العالم.

كنت، آنذاك، مديرة لمركز التربية على وسائل الإتصال والإعلام. وغداة الإعتداء، كان علينا إعداد التلاميذ للعودة إلى المدارس والإستجابة لانتظارات المدرسين والأولياء. انتهجنا الطرق المستعملة عند حدوث الكوارث الكبرى، ووجدنا في وثائقنا المذكرات البيداغوجية حول التصوير الهزلي والدعاية ونشرنا عبر الإنترنت عددا من الموارد الإعلامية (مواقع الإنترنت المرجعية، أقوال وسائل الإعلام ومجموعة من واجهات الصحف)، كما نشرنا مقابلة مع الصحفي الهزلي شارب تحمل عنوان  «هل يُمكن أن نضحك من كل شيء ؟»، كان أجراها معه مركزنا سنة 2014. وهو الصحافي والمصور الذي اغتيل أثناء الإعتداء، واسمه الحقيقي ستيفان شاربونيي.
وقد أظهرت تلك الأزمة إيجابيات التربية على وسائل الإتصال والإعلام، ولكنها أظهرت أيضا حدودها. كنا على أتم الإستعداد لرد الفعل في ما يتعلق بالموارد، لكننا لم نكن لِنتوقّع تأثير وسائط الإعلام الإجتماعية.

وكما حصل بالنسبة لوسائل الإعلام قبل الرقمنة، فإن على التربية على وسائل الإتصال والإعلام أن تستفيق لتأخذ بعين الإعتبار ما تحدثه الرقمنة من تغيير جوهري في وسائل الإعلام: باستعمال التكنولوجيا الرقمية، يتم تعديل الخوارزميات للزج في واجهة الموقع بمعلومات تستغل آثار التدخلات السابقة للأشخاص، ويتم انتقاء هذه المعلومات لحصرها في فضاء معيّن، لتصبح بمثابة أفكار مُسبقة لا مفر منها، وفي ذلك اجتياح للحياة الخاصة، وحدّ لتنوع الأفكار وتعددها وتهديد للحريات الأساسية.
وقد اهتزّ قطاع التربية على وسائل الإتصال والإعلام من جراء الأزمات الأخيرة التي أحدثتها ظاهرة الأخبار الزائفة ذلك الخليط من الإشاعة والدعاية والتآمر. هي ظاهرة أكثر خطورة من الأخبار الخاطئة التي يبقى فيها التمييز بين الحقيقة والكذب ممكنا. فالأخبار الزائفة هي نوع من إعلام التضليل، إلا أنها تكرس بشكل غير مسبوق الإضرار المتعمد، لأن التكنولوجيا الرقمية تسمح لها باجتياز الحدود واكتساح كل الوسائط الإعلامية، فتنتشر بالتالي بصفة فيروسية، أي بمثابة العدوى.

ولا بد أن يأخذ هذا القطاع من التربية في الإعتبار التحول الرقمي، الذي انتقل من «القارة الزرقاء» إلى «القارة السوداء» : أي من التّصفح الخفيف والثرثرة والتحاور السطحي عبر الإنترنت بواسطة منصّات مُراقَبة من قبل «غافام» (غوغل، آبل، فيسبوك، أمازون، ميكروسوفت)، إلى مناجم سامّة لاستخراج المعطيات بغاية المناورة وزعزعة الإستقرار بصفة مُكثّفة.

ولذلك فإن فهم رموز الدعاية على الإنترنت عملية مُعقّدة، إذ يتعلّق الأمر بفك تشفير شكل من أشكال الإيديولوجيات التخريبية. ومن المفارقة أن يكون هذا الشكل مبتكرا تقنيا، ويُروّج في الآن نفسه لثورة دولية محافظة مُسخّرة لخلق الفوضى في الأنظمة السياسية القائمة، بدل اقتراح نظام فكر سياسي تقدّمي.

عودة النّميمة

لا بد إذا للمربين من إعادة التفكير في وسائل الإعلام والأسس السياسية والأخلاقية التي تكسبها  شرعيتها، وكذلك في دور وسائط الإعلام الإجتماعية ومضامينها، مع الأخذ في الإعتبار تزايد عدد المستخدمين الذين تحوّلوا من مُتحاورين إلى تجمّعات تشاركية تتقاسم التأويلات. إن عودة مستخدمي الوسائط الإجتماعية للتّعليقات النّميمية ليست بالأمر المستهان ولا ينبغي الإكتفاء باحتقار هذه الظاهرة. لأن هذا التحاور بصوت خافت يروج بدون تمييز الأحاديث الكاذبة والإشاعات، ويغذي النميمة ويشهر للعامة ما كان يندرج بحتا في الحقل الخاص. فيصبح الخبر المتداول موثوق به أكثر من الحقيقة نفسها، فيما تتحول الحقيقة إلى صنيعة نخب بعيدة عن المشاغل اليومية والمحلّية.

تُروّج إذا وسائط الإعلام الإجتماعية أخبارا غير مُؤكّدة، مدعية أن الأخبار الكاذبة إنما تؤول في النهاية إلى بلورة الحقيقة. وقد نتصور أن هذه الطريقة تساعد على الوصول الى أبعد مما نعتبره عموما "الحقيقة". لكن في ذلك تقليص من مسؤوليتها وتبرير لمحاولتها الترويج لحقيقة مغايرة، خاصة وأن نظم الأخبار الموثوقة في حالة انهيار. ومن خلال هذا النوع من الإعلام، نسجل عودة الصحافة إلى المعركة الأزلية بين الحدث الموضوعي والتعليق.

ففي علوم الإعلام والإتصال، تُعتبر الثرثرة ضربا من العلاقات الإجتماعية. فهي تُؤدّي وظائف معرفية أساسية منها مراقبة المحيط، وتقاسم الأخبار للمساعدة على اتخاذ القرار وخلق نوع من التناسق بين وضعيّة مُعيّنة وقيم المجموعة... وقد ساهم ذلك في الإعتراف لوسائل الإعلام  بأهمية مشروعة. إلا أن هذه الوسائل أصبحت تُعتبر اليوم عاجزة ومُشوّهة، ومن الأدلة على ذلك حلول الوسائط الإجتماعية بديلا لها وتفشي الثرثرة النّميمية عبر الإنترنت. والذنب ليس ذنب وسائط الإعلام الإجتماعية بقدر ما هو ذنب المسؤولين عن الحوار العمومي على أرض الواقع.

في العديد من أنحاء العالم، عندما تكون الساحة السياسية قليلة الإستقرار، تستعيد القصة الإجتماعية دورها التعديلي ومكانتها بفضل وسائط الإعلام الإجتماعية، كما تُسلّط هذه الوسائط الضوء على تجاوزات القواعد الإجتماعية، خاصّة عندما تتباهى المؤسسات السياسية بالشفافية،  لأنه لم يعد مجال لِحماية الأسرار. وأمام الصحف الرّاضخة للأحزاب، فهي تخلخل قاعدة الموضوعية المتصلبة التي تفرض تقديم النظرة الموافقة والنظرة الرافضة، دون سواهما. لقد أصبح الجمهور حذرا لمدى "مصداقية" هذا الخطاب الإستقطابي بل يميل إلى استراتيجية الوثوق بالأصل. هذه الإستراتيجية تربط علاقة قرب بين أعضاء مجموعة المشتركين وتسعى إلى تشريكهم في الحوارات، معتمدة مبدأ الشفافية. وبذلك تكون وسائط الإعلام الإجتماعية قد واجهت أخلاقيات الموضوعية بأخلاقيات الأصالة.

 المستكشف والمحلّل والمُبتكر


© Patric Sandri

 

تمثّل إذا ظاهرة وسائط الإعلام الإجتماعية وأخبارها الزائفة نموذجا يستحق الدرس في قطاع التربية على وسائل الإتصال والإعلام، مما يتطلب تفعيل واحدة من اختصاصات القطاع الأساسية، ألا وهي استخدام الفكر النقدي، شريطة أن يكون مصحوبا بفهم القيمة المضافة التي تمنحها الرقمية : المشاركة والمساهمة والشفافية والمساءلة، ولكن أيضا التضليل والمناورة.

إن الفكر النقدي يمكن التدرّب عليه وتكوينه... حتى يصبح شكلا من أشكال مقاومة الدعاية والعقلية الإنقلابية. فلابدّ من تنمية حس المسؤولية لدى الشباب والعمل على أن يُعيدوا النظر في استعمالهم لوسائط الإعلام الإجتماعية وأن يأخذوا في الإعتبار الإنتقادات التي تُوجّه إليهم بخصوص ما يُمكن أن ينجرّ عن استعمالهم لها. ومن ناحية أخرى، يجب علينا أن نثق بحسهم الأخلاقي.

في الدرس الذي أُؤمّنه في التربية على وسائل الإتصال والإعلام، وهو تكوين عن بعد عبر الإنترنت مفتوح للجميع حاز على جائزة اليونسكو لسنة 2016 في هذا المجال، أقدّم للطلبة ثلاثة أدوار حسّاسة : المستكشف والمحلل والمُبتكر. المستكشف يتعوّد على وسائل الإعلام وعلى المعطيات. والمحلل يُطبق مفاهيم مثل التثبّت في المصادر، وتقاطع المعطيات، واحترام الحياة الخاصة. وأما المبتكر فهو يحاول تقديم انتاجه الخاص، ويتمعن في نتائج اختياراته، ويقرر صيغة النشر.

ومن نتائج هذا التكوين المفتوح للجميع بعث مشاريع مثل «المواطن الصحفي على تويتر» أو «هوكس بوستر لمقاومة التآمر». والهدف في كل الحالات، إكساب الشباب الحس النقدي حتى لا يسقطوا في فخ خطاب الكراهية أو الأخبار الزائفة. وهناك مبادرات أخرى البعض منها تُسيّرها اليونسكو، قامت بتأسيس التجمّع الشامل لشركاء التربية على وسائل الإتصال والإعلام. و«ميل كليكس» هي مبادرة حديثة العهد ترمي إلى التّمكن من هذه التربية باستخدام الوسائط الإجتماعية.

نشر التربية على وسائل الاتصال والإعلام على نطاق واسع

وعلى هذا القطاع التربوي أن يفعّل الفكر النقدي أيضا تجاه وسائل الإعلام ذاتها. فقد اتّضح أن المؤسسات الصحفية الكبرى هي من بين أكثر المُؤثّرين نفوذا وكثيرا ما تسعى إلى نشر الإشاعات قبل التأكد منها، على تويتر مثلا. والأخبار الزائفة التي يتداولها الفايسبوك، وهو أكثر وسائط الإعلام الإجتماعية ترويجا لها، قد تستند إلى ما ينشره الصحفيون المحترفون قبل التثبّت من الخبر، بحثا عن السبق الصحفي، بحكم الضغوطات الكبيرة المُسلّطة عليهم. وهم بذلك يتصرفون على نفس منوال المستعملين الهواة الآخرين. والتكذيب ليس له نفس وقع الإشاعة !

ما زالت توجد تحديات أخرى تحول دون نشر التربية على وسائل الإتصال والإعلام على نطاق واسع. يجب إقناع أصحاب القرار. كما يجب تكوين المُكوّنين، سواء كانوا مُدرسين أو صحفيين. كنت أنجزت بحثا  في جامعة الصربون الجديدة، في إطار برنامج ترانزليت التابع للوكالة الوطنية للبحث وكرسي اليونسكو «لنعرف كيف يجب أن نكون في عصر التنمية الرقمية المستدامة». ويحتوي هذا البحث على مقارنة بين السياسات العمومية في أوروبا. وقد بين وجود العديد من الموارد ومن الدورات التكوينية لكنها ناتجة عن مبادرات خاصّة للجمعيّات أو للمُدرّسين وليس عن المؤسسات الجامعية. كما سجل البحث قلة اهتمام في مستوى السياسات العمومية رغم إدراج هذه المادة في العديد من البرامج التربوية الوطنية : قلّّة الآليّات المشتركة بين الوزارات المعنية، و قلة أو انعدام وجود هيئات للتعديل المشترك، والأمر كذلك في ما يتعلق بالتنسيق بين مختلف الفاعلين. وأدى البحث إلى الإستنتاج التالي : إن إدارة هذا القطاع التربوي مُركّبة من عناصر مشتّتة، مع وجود أربعة نماذج، حسب الدول : التنمية، التفويض، غياب الإلتزام... والنموذج المختل.

إستيقاظة أخلاقية

والخبر المريح هو وعي الصحفيين الذين أخذوا بمراجعة أخلاقيات مهنتهم، وأصبحوا معترفين بأهمية التربية على وسائل الإتصال والإعلام. واستيقاظتهم الأخلاقية من شأنها أن تساعد المُدرّسين على إيلاء هذه المادة التربوية مكانة أرقى، وعلى إنتاج موارد صالحة للدفاع عن سلامة المعطيات ووسائل الإعلام.  وبدأت تظهر بعض الأعمال الصحفية التي تُعيد الإعتبار للتحقيق المعمّق بفضل الإعتماد على الوسائل الرقمية، وهو أسلوب يمكن من الكشف عن أخبار  ما كان ممكنا كشفها بطرق أخرى.

وقد ساهمت بعض القضايا، على غرار التسريب الهائل للوثائق السرّية المعروف باسم وثائق بانما، في استعادة الحياة السياسية شيئا من طابعها الأخلاقي وفي إعادة الثقة في المهنة الصحفية. كما توجد أعمال أخرى تعتمد الوسائل الرقمية، موجهة خصّيصا إلى مقاومة الأخبار الزائفة. نذكر من بينها مدوّنة الوكالة الفرنسية للأنباء «ميكنغ أف، من خلف السّتار» (التي تُظهر كواليس وكالة إعلام كبرى)، وكذلك نظام التثبّت من المعلومة «ديكوداكس» لصحيفة لوموند الفرنسية (الذي يُحصي المواقع حسب درجة تزييف الأخبار فيها)، و«ريفآي» التابع لغوغل (الّذي يسمح بالتثبّت، بثلاث نقرات، من إذا كانت الصور أصلية)، وموقع سبايسي صاحب آلية «كونسبيهانتر» (للتنديد بالتآمر).

وحتى يتم التدرّب بشكل واف قصد تحقيق مواطَنة مُثقّفة، يجب تفعيل الفكر النقدي أيضا على مستوى التوزيع الجغرافي لوسائط الإعلام الإجتماعية وأبعادها الإقتصادية. وما نلاحظه أن المنصات الرقمية التابعة لمجموعة غافام، وجميعها منبثق عن القانون الكاليفورني، رفضت لمدة طويلة نعتها بوسائل الإعلام لتتجنب مسؤوليتها الإجتماعية ولتتخلّص من الواجبات العمومية المتصلة بها. لكن استعمالها للتعديل الخوارزمي أظهر قدرتها على مراقبة الخط التحريري للمحتويات التي ترى فيها إمكانية التوظيف المالي، دون أن تعتمد مبادئ الشفافية أو أخلاقيات المهنة، ومن ثم قدرتها على تقديم وجهة نظرها وكأنها الحقيقة. وعلينا ألا ننسى أن من يضع النُظم الخوارزمية هم من البشر!

إن منصات غافام، تلك الوسائل الإعلامية العملاقة، قد لعبت إلى حدّ الآن ورقة التعديل الذاتي : فهي تسن قواعدها الخاصة، وتقرر سحب المواقع أو الحسابات المتهمة بنشرالأخبار الزائفة، دون أن تكون مجبرة على تبرير قرارها. لكنها، إن أرادت الحفاظ على ثقة المجموعات المستعملة لخدماتها، فسوف تكون مرغمة على اتباع سلوك مسؤول، يكمن في ايجاد الحل الوسط بين دور "ناقل المعلومات" و"الوصي العمومي". لأن مجموعات المستخدمين بإمكانها أيضا أن تنتظم، أو ربما أن تجتنبها، لتقوم بتعديل مشترك مع الصحفيين، كما هو الشأن مع نظام التثبّت من المعلومة (ديكوداكس).

وقد يكمن الحل في تصميم نظام خوارزمي جديد، يحمل في صميمه مبادئ أخلاقيات المهنة الصحفية والحريات الأساسية، ومثل هذا الحل هو دون شك من البدائل الممكنة في المستقبل، حسب المنطق الرقمي !

ديفينا فراو-مايجس

ديفينا فراو-مايجس (فرنسا) هي أستاذة في علوم الإعلام والإتصال بجامعة الصربون الجديدة، وصاحبة كرسي اليونسكو «لنعرف كيف يجب أن نكون في عصر التنمية الرقمية المستدامة». ألفت حوالي عشرين كتابا، آخر ما صدر لها المؤلف الجماعي : مقارنة بين السّياسات العمومية للدول الأوروبية في مجال التربية على وسائل الإتصال والإعلام.
D. Frau-Meigs, I. Velez et J. Flores Michel (eds), Public Policies in Media and Information Literacy in Europe: Cross-Country Comparisons (London, Routledge, 2017).