بناء السلام في عقول الرجال والنساء

زوم

"الهاينيو"، أساطير حيّة في جزيرة جيجو

zoom_1_2017.jpg

© Hyung S. Kim

نص : كاترينا ماركيلوفا - صور: هيونغ سون-كيم ومتحف هاينيو

الصوَر مُؤثّرة جدا. نساء غوّاصات في عقدهن السادس يلبسن أقمصة غوص عتيقة ويحدّقن في عدسة آلة التصوير. المشهد نادر ويُثير تساؤلات. «عندما نُشاهد وجهها، نتوقّع في كل لحظة أنها ستستنشق الهواء بعمق(...)، إنها الهاينيو». هذا ما قاله هيونغ سان كيم، بإحساس فيّاض، بعد أن أمعن النظر طويلا في «قطرات الماء التي تنساب على قميص الغوص، بلمعان أشبه ما يكون بجلدة الحيوانات البحرية».
تردّد هذا المصوّر أصيل كوريا-الجنوبية، بين سنتي 2012 و2014، على جزيرة جيجو الواقعة في عرض السواحل الجنوبية لجمهورية كوريا لتصوير "الهاينيو"، هؤلاء النساء اللاتي تغُصن إلى حدّ العشرة أمتار تحت الماء بدون كمامة الأكسيجين لصيد ثمار البحر. هذا النوع من الغوص يحمل اسما خاصّا وهو "المُلجِل". وتعني الكلمة في حياة "الهاينيو" سبع ساعات من الغوص بدون نفس، يوميّا، لمدّة 90 يوما في السنة، صيفا وشتاء.
وقد عمد المُصوّر إلى إخراج هؤلاء النساء من محيطهن، لوضعهن على خلفية بيضاء، حتى يظهرن في الصور وكأنّهن خرجن لحينه من البحر بعد "الملجل". يصف هيونغ سان كيم صوَره بالقول: «لا نشاهد المحيط مكان عملهن، ولا الشاطئ حيث يلقين بثمار البحر التي تملأ الشباك. لا نرى سِواهن». فبعد التخلّص من كافة العناصر التي قد تُشوّش النظر، يتمكّن المشاهد من التركيز على وجوه هؤلاء النساء وعلى أجسادهن، «وكأنّه يتصفّح دليلا مُوثّقا حول الهاينيو»، دليل يروي الظروف القاسية لحياة هؤلاء النساء اللاتي أصبحن رمزا لجزيرة جيجو.
وبما أنها ظاهرة نادرة في مجتمع ينتمي إلى الكنفوشيوسية و يتمحور حول الرجل، تمّ سنة 2016 إدراج ثقافة "الهاينيو" في قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادّي. فهي تُساهم في تحسين وضعية النساء في هذه الطائفة، وفي المحافظة على المحيط بفضل تناغم هذه الطريقة مع الطبيعة. وقد منعت هذه المجموعة، المنظمة في تعاونيّات للصيد البحري، أيَّ استعمال للتكنولوجيات الحديثة، تفاديا للصيد المكثّف.
فبعد أن توجهت النساء إلى البحر بسبب قحط الأراضي البركانية في الجزيرة وعدم قابليتها لزراعة وفيرة، ها هنّ يلتجأن اليوم إلى مجالات أخرى مثل السياحة التي تشهد تطوّرا كبيرا. فمن بين 600.000 ساكن في جزيرة جيجو، لم تعد تُمارس الصيد الغائص سوى 4.500 امرأة، من بينهن 2.500 امرأة فقط تُباشرن فعليّا طريقة الصيد هذه، وأغلبهن تجاوزن سنّ الستين، حسب صحيفة "نيويوركر". ومنذ السبعينات، فقدت مهنة "الهاينيو" مكانتها المعتادة وأصبحت اختيارا مقصودا لمن يُمارسها.
وللحفاظ على هذا التراث الثريّ، اتّخذت السلطات المحلّية جملة من الاجراءات، من بينها التغطية الطبّية المجانية منذ 2002 والتوزيع المجاني لقمصان الغوص.
وقد علّق الناقد بارك يونغ-تايك، واصفا "الهاينيو"، بقوله: «إن سطح البحر هو الفاصل بين الحياة والموت. واللاتي يمارِسن "الهاينيو" يقضين كامل وقتهن في اختراقه». والغريب في أمر ممارسات "الهاينيو"، المعروفات بتواضعهن بقدر جرأتهن، أنهن غير شاعرات على ما يبدو «بأهمّية مساهمتهن في حياة عائلاتهن وفي الاقتصاد المحلّي»، حسب ما صرّح به لي سون-هوا، عضو المجلس الخاص للحوكمة الذاتية لمقاطعة جيجو إلى صحيفة "كوريا تايمز". إن الاعتراف الدولي الناتج عن التسجيل في قائمة التراث العالمي غير المادّي سيمنحهن، دون شك، تقديرا وثقة في النفس.