بناء السلام في عقول الرجال والنساء

زاوية كبرى

بينغ ليوان : "تكافؤ الفرص مبدأ أساسي"

infocus_peng_liyuan01.jpg

Peng Liyuan named UNESCO Special Envoy for the Advancement of Girls' and Women's Education, UNESCO, 27 March 2014
© UNESCO/Fabrice Gentile
تولي الصين عناية أولويّة لتعميم التعليم للجميع، سواء في إطار سياستها الوطنية أو في دعمها للتنمية على الصعيد الدولي. إن تحقيق المساواة في الفرص بين الجنسين، عند الولوج إلى المدرسة وفي طريقة المعاملة داخلها، وخلال مواصلة الدراسة أوعند الاندماج المهني، هو في صميم قناعات السيدة بينغ ليوان، السيدة الأولى لجمهورية الصين الشعبية، والمبعوثة الخاصة لليونسكو من أجل دعم تعليم الفتيات والنساء، وهي كذلك أستاذة.

أجرت الحوار ياسمينا شوبوفا

السيدة الأستاذة، إن تعهدك بالعمل لصالح المساواة بين الجنسين في مجال التربية أصبح اليوم محل تقدير واسع. متى بدأت العمل في هذا الميدان، وما الذي دفعك شخصيا للانخراط في هذا الاتجاه ؟

انخراطي في العمل من أجل التربية مرتبط وثيق الارتباط بوالدي. كانت التربية في المناطق الريفية في الصين مُتأخّرة جدا في منتصف القرن العشرين، وكانت الأمّية منتشرة، خاصّة لدى النساء. وكان والدي آنذاك مديرا للمدرسة الليلية في قريتنا الصغيرة، مكلفا بمحو الأمية، ومتفان في عمله. وبفضله، تعلم العديد من السكان الكتابة، وعلى أدنى تقدير كتابة أسمائهم، وأصبح بإمكانهم قراءة الصحف والكتب. وبعد الانتهاء من مزاولة الدروس، كانت الأمّهات تتولّين تعليم أبناءهن ما حفظنه من كلمات. تأثرت بوالدي إلى حد كبير عندما كنت طفلة. وازداد تقديري لتفانيه منذ أن أصبحت بدوري مُدرّسة وأُمّا.

إن عدم المساواة بين الجنسين مسألة مُتجذّرة في العالم لحد الآن. ففي أماكن عديدة، لا زالت النساء ينتمين إلى الفئات الهشة : نسبتهن تُقدّر ب70% من مجموع السكان الفقراء، كما تمثل النساء حوالي ثلثي الأمّيين البالغين سن الرشد. ونسبة البنات تفوق نصف عدد الأطفال غير المُتمدرسين. وحيث أن النساء، في أغلب الأحيان، لا يملكن القدرة على التحكم في تسيير حياتهن بأنفسهن، فهن يتعرضن  لكافة تقلبات الحياة. و لذلك، يطمحن أكثر من غيرهن إلى المساواة والاحترام. ولكل هذه الأسباب، أرغب في مد يد المساعدة من أجل تعليم الفتيات والنساء.

بوصفك المبعوثة الخاصة لليونسكو من أجل دعم تعليم الفتيات والنساء، ما هي أولى أولويّاتك؟ وما هي، حسب رأيك، أهم التغييرات الضرورية في مجال التربية، لضمان فرص متساوية للفتيات والفتيان؟

إن تعليم الفتيات والنساء قضية نبيلة وهي في صدارة الأولويّات. عندما تسلمت من قبل المديرة العامة السيدة إيرينا بوكوفا، رسالة تعييني كمبعوثة خاصة من أجل دعم تعليم الفتيات والنساء، وكان ذلك في مارس 2014 بمقر اليونسكو، كنت على بيّنة، لا فقط  بالشرف الكبير الذي حصل لي، وإنما أيضا بثقل المسؤولية التي ستُوضع على عاتقي. إن منح النساء نفس فرص التنمية التي تُتاح للرجال هو شرط هام لدعم التقدم الاجتماعي والمساواة بين الجنسين والتنمية المستدامة للبشرية. وفي هذا المجال، تلعب التربية دورا حاسما.

فالمساواة في التعليم تفترض المساواة في الفرص وفي المعاملة وفي النتائج. إن هدفنا هو ضمان المساواة بين الجنسين عند الولوج إلى المدرسة وفي طريقة المعاملة داخلها، وعند مواصلة الدراسة وكذلك في ما يتعلق بالإندماج المهني ونيل الإعتبار الاجتماعي. وسأقوم بكل ما في وسعي لتحقيق هذا الهدف.

هل لك أن تذكري لنا بعض الأمثلة من نشاطك في إطار مهمتك كمبعوثة خاصّة لليونسكو؟ غالبا ما تؤدين زيارات للمدارس عند تنقّلاتك، فما هي الرسالة التي تريدين توجيهها للتلاميذ وللمُدرّسين ؟

منذ تعييني، أي منذ ما يزيد عن السنتين، زرت العديد من المدارس ومن مؤسسات الشباب والمراهقين، والهيئات المعنية بتطوير أوضاع النساء في الدول الإفريقية والآسيوية، لمزيد الإحاطة بالواقع على الميدان وحتّى أَستلهِم من حكمتهم ومن قوّتهم، وأشاطرهم بعض التجارب. وبمناسبة التظاهرات المتعلقة بهذا الموضوع، كثيرا ما أدعو إلى إدراك الدور الأساسي للمُدرّسات وأهمّية تطوير تعليم الفتيات والنساء. وعلى سبيل المثال، أثناء الاجتماع رفيع المستوى للمبادرة العالمية من أجل التعليم قبل كل شيء، الذي انتظم في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، دعوت دول العالم إلى إيلاء الأهميّة القصوى لتعليم عادل وأكثر جودة.

لدينا في الصين برنامج شونلاي، وهو برنامج مخصص للمساعدة على تعليم البنات اللاتي تنتمين إلي عائلات محرومة. ومنذ أن تمّ بعثه سنة 1989، استفاد منه 3,42 ملايين من الفتيات، وموّل بناء 1.489 مدرسة شونلاي، ووفّر التكوين المهني المناسب لفائدة  523.000 فتاة من البالغات للسن المطلوبة، كما تمّ نشر وتوزيع 1,5 مليون كتيّب حول حماية الفتيات. ولقد قمت، بوصفي المبعوثة الخاصة لبرنامج شونلاي لتنمية تعليم الفتيات، بزيارة مخيّم صيفي حيث تأثرت كثيرا بما إكتشفته من مواهب متنوّعة وما إلتمسته من فرحة الحياة  لدى الفتيات اللاتي عدن إلى المدارس، بعد أن كنّ قد تخلّين عن الدراسة.

والرسالة التي أودّ إيصالها هي أن التساوي في الحظوظ عند مباشرة التعليم هو أمر أساسي حتى تتفتح قدرات الرجال والنساء ويكون لحياتهم معنى، كما أنه أمر حاسم في تحقيق التنمية المستدامة للبشرية. ولديّ يقين بأن كل فتاة وكل امرأة، طالما امتلكت قدرا من الأحلام والشجاعة والمثابرة لتحقيقها، فسوف تضمن النجاح لحياتها.

كنت قد سلمت في بيجين سنة 2016، صحبة المديرة العامة لليونسكو، جائزة اليونسكو لتعليم الفتيات والنساء التي تمّ تمويلها من طرف الحكومة الصينية. ما هي انطباعاتك حول الفائزات الأوائل؟ وما هي أهمّية هذه الجائزة على الصعيد العالمي؟

جائزة اليونسكو لتعليم الفتيات والنساء، التي تمّ إحداثها وتمويلها من قبل الحكومة الصينية، هي شعار الإمتياز الأول والوحيد الذي تمنحه المنظمة في هذا المجال، لمكافأة الأفراد والمنظمات  على مساهماتهم الإستثنائية لفائدة تعليم الفتيات والنساء، ولتشجيع المزيد من الأشخاص على الانخراط لصالح هذه القضية. ففي سنة 2016، وأثناء حفل تسليم الجائزة الأولى في بيجين، تقابلت مع الفائزات القادمات من اأندونيسيا وزمبابوي. وكانت المساهمات التي قدّمتها الفائزات والمنظمات التي يُمثّلنها لدعم تعليم الفتيات والنساء، هامة وملموسة، وكانت محلّ إعجابنا. وهن يمثّلن، كما هو شأن عديد الأشخاص الآخرين الذين برهنوا على قدر من التفاني والانضباط، مصدر انتعاش لعالمنا. ولذلك فإنني حريصة على أن أشيد بهذه الميزات وأن أتوجه اليهن بصادق الإمتنان.

ما هي نظرتك لمهنة الأستاذ ؟

إن احترام الأساتذة وحبّ التعليم من العادات العريقة في الصين. ويعتبر هان يو، وهو عالم صيني عظيم، أصيل سلالة تانغ، أن "التدريس تنمية للأخلاق، ونقل للمعارف، وإزالة للشكوك". وبالنسبة للتلاميذ، فالاستاذ الجيّد لا بدّ أن يكون قدوة في الحياة، ولا يقتصر دوره على نقل المعلومات وإلهام الحكمة، بل يتعداها لإنارة الفكر وإيقاد الحماس. في حين أن المجتمع يترقب من الأستاذ أن يكون زارعا ينثر بذور الرحمة، والعدل، والسلم في قلوب التلاميذ. أما في نظري، فإن الأستاذ الجيّد يجب أن يكون دائما مجتهدا ومتحمّسا ومفعما بالحيوية، في خدمة التجديد وتطوير الذات. كما يجب أن يكون مؤهّلا لتربية التلاميذ بواسطة الثقافة والجمال، لمساعدتهم على بناء شخصية سليمة ومتوازنة اعتمادا على مقوّمات الفنون. والأستاذ الجيّد هو أيضا ذلك الذي يبرهن على احترامه للغير ويتحلّى بقيم التسامح والتفهّم، قولا وفعلا، ممّا يجعله يُوحي بالطيبة والتسامح والشمولية لدى التلاميذ حتى يصبحوا، عند بلوغهم سن الرشد، قادرين على خدمة المجتمع على أحسن وجه.


© Shutterstock

قامت الصين بإنجازات ملحوظة من أجل تطوير التعليم. ماهي، في رأيك، أهم جوانب السياسة التربوية في الصين ؟

إن تعزيز المساواة في الفرص للجميع هو في صميم السياسة الوطنية الصينية في مجال التربية. وتضمن الصين الحق في التعليم للفتيات والنساء بطرق متعددة، مثل وضع القوانين والسياسات، والمساعدة المالية للتلاميذ المحتاجين وتزويدهم بوجبات تُوفّر لهم التغذية الجيّدة. وفي إطار خطة العمل الوطنية لمبادرة التعليم للجميع (2001-2015)، تقوم الصين بمراقبة سنوية للوضع في هذا المجال لدى التجمّعات النيابية. ومن خلال إصدار مخطط خماسي، حول "تطور النساء في الصين، وحول تطور الطفولة في الصين"، تم تحديد سنة 2020  لبلوغ هدف المساواة في الحقوق لصالح النساء في مجالات الصحة، والتربية، والاقتصاد، كما تمّ تحديد الاجراءات العملية لذلك. وقد سجل هذا المخطط، الذي يقتضي الاحترام التام لمبدإ المساواة بين الجنسين في التربية، ويضمن الحق في دخول الفتيات والنساء إلى المدارس بشكل عادل، تقدما مُطّردا في مستوى تعليم النساء. ولقد حقّقت الصين اليوم هدف المساواة بين الجنسين في مجال التعليم، وهو هدف من أهداف الألفية للتنمية. ولقد تدعّمت بوضوح قدرة النساء الصينيات للأخذ بمصيرهن وللمشاركة في مسار التنمية.

وفي ذات الوقت، تعمل الصين جاهدة على توسيع التعاون والمساعدة على المستوى الدولي في مجال التربية. ففي سنة 2015، وخلال القمة العالمية للنساء، أعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ عن هبة بعشرة ملايين دولار أمريكي لدعم تنفيذ كل من إعلان بيجين وبرنامج عمل بيجين، وكذلك تنفيذ الأهداف ذات الصلة من برنامج التنمية المستدامة في أفق 2030. وبهذه الوسائل المتنوّعة، بما فيها إنشاء صناديق تمويل وجوائز في اليونسكو، تدعم الصين مجهودات الدول النامية الأخرى في مقاومة الأمّية وتكوين المدرسين وتطوير تعليم الفتيات والنساء.

سأتحمّل كافة مسؤولياتي بوصفي المبعوثة الخاصة لليونسكو، ولن أدّخر أي جهد لمساندة المنظمة في تطوير تعليم الفتيات والنساء.