بناء السلام في عقول الرجال والنساء

تقرير مؤتمرالتراث والتنوع الثقافي المعرضان للخطر في العراق وسوريا


Aleppo, Syria

استضافت اليونسكو في 3 كانون الأول/ ديسمبر 2014 مؤتمراً دولياً تحت عنوان "التراث والتنوع الثقافي المعرضان للخطر في العراق وسوريا"، وذلك في مقرها بباريس. فنظراً لتفاقم حدة النزاع الطائفي والتدمير المتعمد لمواقع ثقافية ذات أهمية، مما يتمثل في تطهير ثقافي، حسب تعبير إيرينا بوكوفا، المديرة العامة لليونسكو، فقد بات من المناسب جمع جهات معنية من قطاعات واسعة التنوع، تشمل صانعي القرارات والسياسات وممثلين عن منظمات دولية ومنظمات غير حكومية ووكالات مختصة بإنفاذ القوانين، فضلاً عن ممثلي المتاحف وصالات المزاد، وذلك للتوعية بأهمية الدور الحاسم للثقافة في سياق النزاعات، وكذلك بضرورة إدماج البعد الثقافي على نحو أفضل فيما يخص تحقيق الأمن وحل النزاعات وتوفير المساعدات الإنسانية ووضع السياسات الإنمائية.

 

ضم هذا المؤتمر شخصيات رفيعة المستوى، من بينها الشيخ الدكتور همام حمودي، النائب الأول لرئيس مجلس النواب في العراق، والسيد أداما دينغ، المستشار الخاص للأمين العام للأمم المتحدة المعني بمنع الإبادة الجماعية، والسيد نيكولاي ملادينوف، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق، ونظيره السيد ستيفان دي ميستورا، المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى سوريا.

 

جدير بالذكر أن "التطهير الثقافي" يتمثل في استراتيجية متعمدة ترمي إلى إلغاء شرعية "الآخر" في الوجود بذاته، وذلك من خلال الاستهداف المتعمد لأفراد يتم تحديدهم على أساس خلفياتهم الثقافية، وكذلك بشن هجمات مقصودة ضد أماكن عباداتهم ومواقع ذاكرتهم، وبارتكاب جرائم قتل ضد الصحفيين والمعلمين، فضلاً عن إعادة النظر في المناهج الدراسية. فاستراتيجية التطهير الثقافي ذات الشقين التي يمكن ملاحظتها في العراق وسوريا تتمثل في شن هجمات ضد التراث الثقافي من ناحية، وضد التنوع الثقافي من ناحية أخرى؛ فهي تستهدف أشكال التعبير الثقافي الطبيعي والمادي والمبني، مثل الآثار والأبنية؛ كما أنها تستهدف أشكال التعبير الثقافي غير المادي، مثل العادات والتقاليد والمعتقدات.


Al Askari Shrine, Samarra, Iraq

وفي هذا الصدد، تناول المتحدثون في المؤتمر المذكور جوانب متنوعة ترتبط بالهجمات ضد التراث الثقافي والتنوع الثقافي، منها الترابط المحتمل بين الاتجار غير المشروع بالقطع الثقافية وبين تمويل الأعمال الإرهابية والمتطرفة؛ والتدمير المتعمد للمدارس والأماكن الثقافية ومواقع التراث الثقافي، مما يرمي إلى هدم دعائم المجتمع وتعجيل وتيرة التفكك الاجتماعي من خلال تقسيم المجتمعات وتحريض بعضها ضد البعض الآخر؛ والاضطهاد المتعمد للأقليات الإثنية والدينية والثقافية، فضلاً عن ضرورة الحفاظ على استمرارية تاريخ وهويات وقيم المجتمعات المعنية، كشرط مسبق لتحقيق الانتعاش والمصالحة وبناء السلام. كما أبرز المؤتمر تأثر التراث جراء النزاعات الجديدة في القرن الحادي والعشرين، وهي النزاعات التي غالباً ما تنشب فيما بين أطراف عديدة غير دولية وفي داخل المناطق الحضرية، مستهدفةً السكان المدنيين. وقد أسفر كل ذلك عن إلحاق الضرر بالعديد من المعالم الثقافية أو تدميرها، وهو ما يشكل الأضرار الجانبية الناجمة عن العمليات الحربية الجارية.

 

واستجابة لهذه القضايا، كشفت المداخلات المتعددة في المؤتمر عن ثلاثة استجابات رئيسية محددة تتعلق بالعمليات الجارية للتطهير الثقافي التي تدمر العراق وسوريا:

 

 أولاً، تمت الإشارة إلى إمكانية فرض حظر على الاتجار بالقطع الثقافية في سوريا من قبل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وهو ما يعكس تدبيراً مماثلاً تم اتخاذه في ما يتعلق بالعراق بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1483 (2003)، الذي من شأنه أن يسمح بتعطيل سوق التحف الأثرية وخفض مداخيل الجماعات الإرهابية الناجمة عن الاتجار غير المشروع بالودائع الثقافية.

 

ثانياً، اُقترح إنشاء "مناطق ثقافية محمية" حول مواقع التراث الرئيسية للحيلولة دون إحداث مزيد من التدمير فيها ولإتاحة إعادة إعمارها وتأهيلها على نحو تدريجي. ويجب اعتبار ذلك كجزء لا يتجزأ من استراتيجية أوسع نطاقاً من أجل السلام ترمي إلى إثبات أنه من الممكن تقليل العنف من خلال "تجميد" الأعمال العدائية عن طريق المفاوضات، على أن تكون البداية من الأماكن ذات القيمة الثقافية المشتركة.

 

وأخيراً، تمت الإشارة إلى التعليم باعتباره الأداة الأساسية لمنع المزيد من التطرف، وكذلك لتعزيز احترام التنوع الثقافي والتعددية والحوار فيما بين شتى المجتمعات، فضلاً عن كونه أساساً لمجتمعات قابلة للحياة ويسودها السلام ودعامة من دعائم التنمية المستدامة.

 

وتبين هذه الاقتراحات تسليم المشاركين في المؤتمر المذكور بأن التطهير الثقافي ليس مجرد مسألة ثقافية، بل إنه يتعلق بحالات طوارئ سياسية وأمنية تقتضي استجابات مناسبة على المستويين السياسي والإنساني.

 

وجدير بالذكر أن تقرير المؤتمر يتضمن نظرة عامة على الأفكار الرئيسية التي طرحها كل متحدث والاقتراحات المتعلقة بالسياسات ذات الصلة .

كما يمكنكم الاطلاع على برنامج المؤتمر وقراءة المذكرة الأساسية التي تم إعدادها قبل انعقاده.